2ArM-Full

” لا أرغب في الذهاب إلى المدرسة غدا!” تلك هي الجملة التي ستخيف أية أم تسمعها من طفلة لها لم تكمل عامها التاسع. إنه السبت؛ اليوم المنذر بانتهاء عطلة الأسبوع وببدء العودة إلى العمل وإلى المدارس. عادة ما يحلو لي أن أنعت يوم الأحد بـ” يوم العقبة الشاقة”؛ فالعودة إلى مشاغلنا بعد يومي العطلة الأسبوعية بما فيهما من الراحة والاستمتاع بالحياة، حال سكونها، هي أمر ليس بالسهل أبدا. غير أن الأمر هذه المرة مختلف قليلا. فقد حظيت وابنتي لاما ذات التسعة أعوام بيوم عطلة بهيج أصبحنا بعده في قمة الخمول والارهاق.

قررنا الخروج. وذهبنا، أولا، لحضور حفلة لرقص الباليه في مسرح قوس قزح. فابنتي تمارس الرقص ضمن فرقة الأطفال الوطنية للباليه. ولذلك غالبا من نُدعى إلى العروض التي يقيمونها. آه! كم أحب هذا الامتياز الذي نحظى به لقاء عضوية ابنتي! لم ينتهِ العرض إلا ونحن نشتهي وجبة تطفئ جوعنا. انطلقنا لتناول العشاء في مطعم لم يمضِ على افتتاحه غير أسبوع. والشيق أنه مطعم ذو امتياز دولي؛ يقع مبناه الأنيق في المنطقة رقم 2 من المدينة، ويدعى هذا المكان بمربع بيت بوس.

 لا تخطيء العين أن كل هذه المنطقة قد جددت. لقد أصبحت، فعلا، منطقة التسالي؛ فكل شيء تتمنينه تجدينه على بعد دقائق من المكان الذي أنتِ فيه. فثمة المطاعم، والمتنزهات، ودار السينما، والمسرح. يا إلهي! ما أجمل تلك الحوانيت التي تصطف في المكان مشكلة حلقة تتزين بكافة الماركات العالمية الشهيرة! وبينما كنت أرشف عصير الليمون منتظرة أن تجهز الشطيرة التي طلبتها، وقعت عيناي على لوحة الكترونية كبيرة في الجهة المقابلة من المربع. حاولت من موقعي في تلك الشرفة التي كنا جالستين فيها أنْ أدقق النظر في تفاصيل الشاشة، لكنّ النافورة الكبيرة ذات الامتدادات العالية في قذف الماء كانت تحجب عني أجزاء من اللوحة. ومع ذلك، فقد كنت لست في حاجة إلى أن أعرف أن هنالك فيديوهات تعرض عن ثورة 2011م. إنها الذكرى العاشرة! وفي طريقنا إلى السيارة حاولت أن أعرف ما يدور في ذهن لاما.

 

 

 

” لاما، لماذا لا ترغبين في الذهاب إلى المدرسة؟”

 

تحاشت لاما المضي في هذا الحوار وفضلت أن تستغل هذه التمشية الهادئة كي تأخذ لنا صورة ” سلفي” بالهاتف المحمول. انتخابات السلطة المحلية لمدينة صنعاء تطرق الأبواب. استطاعت لاما أن تأخذ صورا مع المرشحين الذين تنتشر ملصقات حملاتهم الانتخابية على طول الطريق. ما يطرحونه من عبارات دعائية مثير للسخرية!

” ماما، أخذت صورة مع بلقيس غالب، هل أشاركها عبر انستغرام؟”

بلقيس أحمد مرشحة لمنصب “عمدة الإقليم”، وهي محامية ولديها أفكار عظيمة حول دعم النساء من كل الفئات العمرية من خلال برامج التبادل الثقافي الدولية.

” بالطبع يا لاما”.

لكنني لا أزال أجهل ما يدور في رأس لاما.

2-02210

Hi, I’m a Tooltip

عندما وصلنا إلى الموقف، سألتني لاما إذا ما كان بمقدورنا أن نذهب لحضور معرض للفنون التشكيلية في صنعاء القديمة. لكنا قوبلنا بزحمة في السير غير معتادة. وبسبب أعمال الإعمار كان لا بد أن أغير خط سيرنا باتجاه السايلة وذلك، بطبيعة الحال، لا يسمح لي بالتوقف لرؤية المعرض التشكيلي. ألتفت إليها مع آمل يراودني أنها ليست حزينة لما جرى. كان علينا أن نقطع طريقا طويلا حتى نصل إلى البيت في المنطقة رقم 3. دائما ما تتكثف زحمة السير في وسط البلد خصوصا في رأس الأسبوع، وحتى تصلي إلى المنطقة رقم 3، فإن عليك أن تعبري الطريق التي تقطع الجزء الجبلي من المدينة. تجلس لاما على مقعدها بهدوء. كنا صامتتين وكلانا كانت تحدّق في إشارة المرور، كان المذياع يحمل صوت أبوبكر سالم. كم أنا مغرمة بهذا الطريق! وعندما أعبر خلال المناطق المختلفة للمدينة، فإن إحساسا بالفخر يراودني. فقد عينت وزيرة للأشغال العامة والطرق بعد أن تبنت الوزارة أفكاري بخصوص الحزام الأخضر الذي يطوق المدينة. صفوف من الخضرة تفصل المناطق القديمة من المناطق المطورة حديثا؛ وذلك بفضل كل هذه الأشجار التي زرعناها. مناطق وسط البلد المكتظة تقع الآن على بعد كواكب من المناطق الجديدة. يا للجنون! لا يستطيع المرء، لجودة الهواء، أن يتخيل أننا نعيش هنا على بعد كيلوين من المنطقة الصناعية.

قلت لابنتي: ” أنا آسفة حبيبتي لم نستطع أن نصل إلى معرض الفن التشكيلي، أنتِ تعرفين أن المنطقة في حالة فوضى بسبب بناء خط المترو الجديد. لكن هذا مهم لتيسير التنقل وتطوير سبل العيش”.

” صحيح ماما! وعندها سأكون قادرة على لقاء صديقاتي وسط المدينة بمفردي!”. 

” هههههه، بالضبط! ولهذا ينبغي على مخططي المدينة أن يأخذوا في الحسبان احتياجات كافة الناس بحيث تكون المدينة متاحة لمشاركة كل من فيها على قدم المساواة. وعندها تكونين أنتِ وأصدقاؤك قادرين على اللقاء واللعب في أماكن آمنة دون خوف من ضوضاء أو زحمة أو سلطة رقيب”. أردت، عن طريق الإشارة، أن ألفت انتباه لاما إلى أن الحكومة تشكل ما يتصل بمجريات حياتها اليومية. الموضوع لا يتعلق فقط بالضرائب وبالصفقات التجارية. أردفت “بوجود المترو الجديد ستنخفض الزحمة في المدينة بنسبة النصف. أنا سعيدة جدا أننا أوجدنا هذه المتنزهات والمساحات الخضراء، فمنذ ذلك الحين أصبح الناس يستخدمون الطاقة الشمسية، لعل صنعاء اليوم أنظف مدينة على وجه البسيطة.”

2A1-min

Hi, I’m a Tooltip

بعد برهة من الصمت ” لست متأكدة بأنني سأذهب غدا إلى المدرسة” قالتها ابنتي وهي تحدّق في الأرض. الغريب أن لاما التي تأنس للحوار والتفصيل تبدو اليوم هادئة ومترددة في أن تشرح لي ما تفكر فيه! أردفتْ وقد رفعت بصرها نحوي: “المدرسة بيت الإزعاج. والأولاد الذين فيها جوقة من الأغبياء” انفجرتُ ضاحكة. لا تتغير هذه المبررات القديمة، مهما تغيرت الظروف والأحوال!

” آهاه طيب يا لاما” وبدأت أتكلم عن طفولتي، الموضوع المفضل: تاريخ اليمن القريب جدا الذي عشته. “عندما كنت في سنك لم يكن كل طفل قادر على أن يدخل المدرسة في هذه البلد، كانت البلد تعاني من سوء الإدارة، لم يكن هنالك عدد كافٍ من المدارس، وبسبب البطالة وسوء الإدارة في البلاد كان الآباء غير قادرين على الحصول على المال الكافي لتدريس أبنائهم، أما النساء فكان معظمهن غير مسموح لهن العمل. لهذا كان عند الأسر توقعات وخطط أخر بخصوص مستقبل أبنائهم وبناتهم. كانت البنات تفصل عن الأولاد في المدارس.

كان الأولاد يرتادون المدرسة في الفترة الصباحية كي يعودوا ويساعدوا آبائهم في أعمالهم المختلفة. أما البنات فكنّ يرتدنَ المدرسة في فترة ما بعد الظهيرة، فهن في الصباح مشغولات مع أمهاتهن بأعمال المنزل”. كانت لاما تحدّق فيّ. تابعتُ حديثي: ” قد لا تصدقين يا لاما أن واحدة من زميلاتي في الفصل، اسمها فاطمة، اضطرت إلى التوقف عن الدراسة لأن أهلها يريدونها أن تتزوج في سن التاسعة؛ في عمرك!!”. بدت لاما متصلبة في مكانها دون أن تنطق بكلمة!

 

 

 

 

قالت وهي تحاول أن تتفلت من الصدمة: ” في سن التاسعة تتزوج؟!”

” نعم يا لاما، والمؤلم أن فاطمة كانت تحرز درجات عالية وتحلم في أن تصبح مدرِّسة. تزوجت فاطمة وانتقلت إلى القرية لتدرس تحت شجرة مع بعض النساء الأخريات في ما يسمى بدروس محو الأمية. وفاطمة مثال واحد فقط لأخريات”.

2S0

Hi, I’m a Tooltip

لاذت لاما بالصمت. عرفت بلدنا ماضيا صعبا. تذكر ذلك الماضي ليس بالأمر السهل خصوصا فيما يتعلق بالظلم الذي كانت تتعرض له النساء. وصلنا إلى المخرج الذي ينفذ من خط الطريق السريع إلى المنطقة رقم 3. لو أننا استمررنا لو صلنا إلى المنطقة الصناعية؛ أو قل المنطقة التي حوّلت مصير اليمن. شهد هذا المكان مولد العديد من المنتجات المحلية التي تحقق الاكتفاء الذاتي للبلد، وهنا تنتج بعض الأصناف المحلية الخالصة، ومنها مواد تستخدم في الإنشاءات والإعمار. أصبحنا اليوم نستورد فقط 30 بالمائة مما نحتاجه، وبدأنا نصدر بعض المنتجات الغالية على نطاق واسع، ومنها: البن، واللوز، والسجاد، وأنواع خاصة من المنسوجات، وبعض منتجات العناية بالبشرة، والعطور، والبخور.

أخذنا طريقنا الفرعي باتجاه المنزل، وقبل أن ندخل البيت قلت كلمة أخيرة للاما لعلها تجد فيها ما يحفزها. ” لقد كنت محظوظة أنني ولدت في أسرة كانت تدرك أهمية التعليم ولا تفرق في ذلك بين ذكر وأنثى من أطفالها. لكنّ غيري الكثيرات لم يكنّ محظوظات. أما اليوم، فبنات هذه البلد يحظين بالتعليم وبسلطة القانون. ليس الأمر اليوم متروكا للحظ ولكنه تشريع ملزِم. وأنتِ لديك الحق في التعليم يا لاما!”.

صنعت لي كأسا من الشاي العدني وقطعت لي وللاما شريحة من بنت الصحن التي أحضرتها لنا أمي بالأمس، وسكبت عسلا كنت أحضرته من عمران. إنها طيبة المذاق! كنا في المفرش وكانت كتب لاما تحيط بها من كل جانب. نظرت بتأمل في كتبها. لاما دائما مهتمة بدروسها ودرجاتها منافسة. هذه بعض حسنات جدتها التي كانت ترعاها في الوقت الذي كنت منشغلة فيه بالعمل. لاما طموحة وقد انتخبت لتكون رئيسة لاتحاد طلاب الابتدائية. خطوت ببطء على الأرضية الخشبية باتجاهها. دنوت منها قائلة: ” خذي لقمة يا حبيبتي”.

” أنا أحبُّ المدرسة يا ماما. لكن أحمد يحرض كل واحد ضدي”. قالتها متجاهلة الخبز أمامها.

توقف عندما لحظت أننا قد وصلنا إلى قلب ما يزعجها، وسألتها بهدوء ” ولماذا يفعل هذا؟”

تنهدتْ ” لأنني صوّت ضد الأنشطة بعد أن أثرت على النتائج. وهذا قرار معقول. لكن أحمد جعل كل واحد يعتقد أنه قرار خاطيء وأني لم أتكلم عن هذا الموضوع في اجتماع الاتحاد”.

أدركت أن لاما تعاقب على أمر شبيه بما تعلمه رئيسنا السابق بعد ثلاثة عقود في السلطة. ” لكن أن تكون الواحدة على رأس اتحاد الطلاب فهذا لا يعني أنها تقرر بناء على ما تعتقده فقط. عندما تكونين في منصب القيادة فهذا يعني أن عليك أن تتخذي القرار بناء على حوار يدخل فيه الجميع. كان عليك أن تشركي الجميع قبل أن تصوتي باسمهم”. نظرت إلي لاما وقد اتسعت حدقتاها وكأنها تستفهم هل كنت أخذلها أم أنني أعلمها درسا كبيرا من دروس الحياة.

” صنع القرار بناء على توافق الجميع، يا لاما. هذا مفهوم بسيط، لكنه في بعض الأحيان ليس سهلا عند الممارسة. وقد كان صعبا على بعض الناس في هذه البلد أن يتعلم هذا الأمر. وكان علينا أنْ نناضل من أجل أن نكون مشمولين في عملية صناعة القرار. وهذا الأمر بعينه هو ما جعلنا نثور. وهذا هو المعنى لوجود اتحاد طلاب.” كنت أتحدث إليها ومازالت الصور والمشاعر والأحلام والتوقعات التي صاحبت الثورة حاضرة في خاطري بصورة لا تكاد تنمحي إلى الأبد. كيف يمكن أن أنسى روح التضامن التي كنا نشعر بها في الساحات، وتلك اللحظات التي ضمتنا، بمختلف توجهاتنا، معا.

تفضي عواطفي كالعادة عند الحديث عن الثورة. سأحكي عنها من البداية  ” بدأت في تونس فهناك كان الناس يملؤون الشوارع مطالبين بالعدالة والكرامة وبحقوق متساوية. هذا المشهد جعلنا نؤمن أن التغيير ممكن في الوطن العربي بعد عقود من الركود. بث هذا الأمل في نفوسنا روح التضامن والتحمل، أدركنا أن علينا أن نستمر حتى نحصل على ما نريده. أتذكر البداية، وكأن ذلك حدث بالأمس، بائع تونسي متجول يضرم النار في جسده، واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالخبر كما اشتعلت تلك النار في جسد الشاب الغاضب. لا بد أن الإنسان سيكون في قمة اليأس حتى يجسر على إضرام النار في جسده! وبعد أن أصبحت المنطقة العربية مشتعلة بلهب من غضب، خرجنا كي نقف وقفة صامدة من أجل كرامتنا.  استمرت الموجة في التأثير كأحجار الدومينو، نحو مصر، فليبيا، وسوريا، يريد الناس في كل مكان أن يكون لهم كلمتهم في الحكم.

-11210

Hi, I’m a Tooltip

أخذت نفسا عميقا ثم واصلت الحكي. ” هنا وصلتنا الثورة. وصلت إلينا نحنُ. شاركنا جميعا. أنا وجدتك وجدك. اشتركنا في الاحتجاج أمام الجامعة. في ذلك الوقت، كان هنالك نصب كالمسلة، تماما في التقاطع الذي أمام بوابة الجامعة، وكانت تبرز عليه جملة مكتوبة بحروف واضحة: ” الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية”. هنالك بدأت الاحتجاجات. كانت الأجواء توحي بمشاعر خاصة. كنا نشعر بالآمان، وكان الناس يبتسمون، كان كل واحد مشغول بشيء ما. كان هنالك أشخاص ينظفون الساحة، وكانت هنالك حلقات للقراءة والنقاش الفكري، وهنالك محاضرات، وكان آخرون يرسمون، وغيرهم يعزفون الموسيقى. كانت تلك هي المرة الأولى التي تعلمت فيه بصورة حقيقية عن السياسة في اليمن، وعن تاريخ اليمن، وعن معنى المجتمع المدني، وحكم النخب، وعن ضرورة أن يكون الأفراد فاعلين لأنهم مواطنون. وهذا حفزني كي أتعلم أكثر. أتعلم دون توقف. هكذا كانت الحال يومها. كان ثمة شيء يلوح في الأفق، كأنه روح يهتف إلينا من وراء الأفق: ” هنا الحرية، هنا الحق والحقوق، ها قد بدت البشائر فافرحوا بها” ما كنت أشعر به في الساحة هو نفسه الشعور الذي كنت أحلم أن أشعر به في كل بقعة من هذا البلد العريض. أصبح تحقيق هذا الشعور ومده إلى كل البلد هو الهدف.

استجمعت قوى مخيلتي وقدرتي التعبيرية كي أصف لشخص شيء خاص لم يكن حاضرا فيه. “” قد لا تستطيعين أن تتخيلي ذلك المشهد، يا لاما، كنا ننتقل من حالة إلى حالة مختلفة؛ من الصمت إلى الجهر بمطالبنا بكل حرية. لقد كانت لحظة تحول جاءت بعد أن كانت الغالبية الساحقة ليس لها الحق في الاشتراك في اتخاذ القرار. ودعينا لا نتكلم عن النساء! كنا جميعنا-  فقراء وأغنياء، ذكورا و إناثا، شبانا أو كبارا في السن- ضحايا سياسات فاسدة لحكومة تملكها مجموعة من العائلات. كان الأمر مغامرة جسورة. لكننا كنا في قمة الحماس. كنا نتطلع دائما إلى المستقبل. وكنا نعرف أننا إن لم نستمر في الاحتجاج، فإن الناس لن يصلوا إلى الوعي الذي يتمتعون به اليوم. لن يفهموا ما يجري. ولن تكون هنالك اليمن التي نراها اليوم. قد لا يصدق أحد ما نحكي اليوم، نعم! لم يخالجنا الخوف وقتها. لم يكن لدينا وقت للخوف. فالخوف لا ينتج إلا الفشل.

 

 

رجعت إلى صلب المسألة التي أتحدث عنها. ” قبل هذا الحدث، لم يكن لدينا العيش والكرامة التي نستمتع بهما اليوم. لم يكن لدينا قوانين تطبق ويكون بموجبها كل الناس متساوين في مجتمعهم مع فرص متكافئة. لقد بنينا أمتنا بأيدينا. كتبنا الدستور. وأنجزنا هذا لأننا صمدنا من أجل حقوقنا ورفضنا أي شيء لا يلبي مطالبنا ولا يتوافق مع مبادئنا. مكثنا في الشارع عشرة أشهر حتى حدث التغيير في السلطة. أجبرت القيادات الحاكمة على السماع للشعب. وتوقفت عن ممارسة ألعاب السلطة. وعندما أجرينا أول انتخابات، وفازت فيها امرأة. لقد أصبحت تلك المرأة رئيستنا المنتخبة بصورة ديمقراطية لأول مرة!”

ضحكت وأردفت ” كان أمرا صاعقا لوعي كثيرين، رغم أن الغالبية قد صوتت لها. أدرك الناس بسرعة أن التغيير الحقيقي قد حدث وأن ذلك سيرجع بالفائدة على الجميع. اتبع الرجال رئيستنا الجديدة حتى مشايخ القبائل الكبار في السن. كنا قد أكملنا صياغة دستورنا الذي يضمن المساواة لكل المواطنين، بصرف النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو الدينية أو الاقتصادية. وعندما ولدتِ لم يكن قد مضى إلا عام واحد فقط من الوقت الذي أصبحت فيه النساء تدرك أن لهن نفس القيمة التي للرجال، ونفس الصوت الذي لهم”.

F1

Hi, I’m a Tooltip

انعطفت نحو الكلام عن الحاضر وتركت كان وأخواتها. ” الآن ترين كيف نثق في الحكومة. لأن هنالك شفافية، وانتخابات حرة، والناس لهم يد في صناعة القرار. الآن نشعر بأننا من يبني مستقبل هذه البلد؛ لأننا نشارك في كل شيء”.

من شدة شغفي بسرد هذه الحكاية لم أشعر أن لاما قد نامت على كتاب الرياضيات.  أزحت عنها الوسادة ووضعت البطانية فوقها. أنهي بعض الأعمال قبل أن يبدأ الأسبوع. وأقضي  الساعات الأخيرة من نهارات العمل في مكتبي.

-12A-last

Hi, I’m a Tooltip

الساعة7:05 صباحا. يرن المنبه طيلة خمس دقائق. ترسل الشمس أشعتها عبر القمرية وتلقي ظلالا ملونة على أرضية غرفة نومي. وفقا للتطبيق الخاص بالمدرسة، الذي يتضمن تحديثات عن كل الأنشطة المدرسية وخدمة تتبع للحافلة التي تقلها كل صباح، فإن لدى لاما 20 دقيقة حتى تكون في الخارج. إنه زمن من أزمنة الأبدية في نظر طفلة في التاسعة من عمرها.

لكن ها هي قد ارتدت ملابسها وبيدها لوحة متجهة نحو الباب. تفتر شفتاها عن ابتسامة وتشع عيناها بطاقة أخاذة.  أسألها ” لماذا هذه اللوحة؟”

” من أجل الحديث مع أحمد. أنتِ محقة. عليّ أن أناقش كل شيء مع كل أعضاء الاتحاد، فهو اتحاد لكل التلاميذ.”

يبدو أنها قد أصغت لخطبتي الثورية العصماء!!

كم أنا فخورة بها، وقد أخبرتها بذلك.

لكن لم أتمالك نفسي. ” قد لا تصدقين يا لاما أنني عندما كنت في سنك أنه لم يكن لدينا حافلة تقلنا! كان عليّ أن أمشي إلى المدرسة. وعند الرجوع إلى البيت، كان عليّ أن أجري، دون مبالغة، وذلك حتى أصل إلى البيت قبل المغيب، أدارت لاما عينيها، ” لقد فهمت يا أمي” وانحدرت من عتبة الباب منطلقة في طريقها المعتاد.