هلا السعدي

مجلة المدنية: البحث عن الفن وتوسيع حدود النقاش العام


فبراير ٢٠٢١

في مناخٍ مشحون سياسيًا، أضحى إنشاء وسائل إعلام مستقلة جديدة أمرًا صعبًا ومخيفًا نوعا ما، حتى لتلك التي تنأى بنفسها عن التقارير الإخبارية والتحليل السياسي. وعلى الرغم من هذه التحديات، وبالتوازي مع التوسع في النشاط الإبداعي في اليمن، فقد وجدت الصحافة الثقافية طريقها للعودة إلى القراء اليمنيين، ولكن هذه المرة من خلال شبكة الإنترنت. لقد صنعت العديد من المنصات الإلكترونية التي تركز على الموضوعات الاجتماعية والثقافية شهرة إعلامية وعدداً كبيراً من المتابعين ضمن أوساط الجمهور اليمني. فعندما سألت متابعيّ على مواقع التواصل الاجتماعي عن الموقع الذي يزورونه للحصول منه على محتوى عن الفنون والثقافة في اليمن، قام جميع المعلقين تقريباً بعمل إشارة “لمجلة المدنية.”

تأسست مجلة المدنية عام 2017 بدعم من المعهد الألماني للعلاقات الخارجية، وأصبحت واحدة من المنصات الإلكترونية الرئيسية للثقافة والفنون. ويجمع عمل المجلة بين المقالات والصور ومقاطع الفيديو للمشاركين اليمنيين، ويعزى نموها إلى العدد الكبير من الكتاب والفنانين والمبدعين العاملين على المقالات. وتهدف المجلة إلى “إبراز ورعاية الفن والثقافة ومبادرات المجتمع المدني اليمنية”. كمل تلعب “المدنية” والمنصات الإلكترونية المماثلة مثل “خيوط” و “منصتي 30” و “كذه كان اليمن” و “قنبوس” دورًا رئيسيًا في تحفيز التفاعل مع الأعمال الفنية والنقاش الثقافي. 

تسعى المنظمات الثقافية والمجموعات الفنية المستقلة إلى خلق شعور بالتلاحم والألفة، حيث يلتقي الناس معًا ويستخدمون الفن كوسيلة لإظهار إبداعاتهم وأفكارهم وتساؤلاتهم وإجاباتهم الممكنة. وقد قامت وسائل التواصل الاجتماعي والمجلات الإلكترونية بتقديم خدمة لمجتمع الفن اليمني من خلال تمكين وإطالة المناقشات المتعمقة حول الديناميكيات الاجتماعية الحالية وتحليل الأحداث التاريخية. وتتيح المساحة المنفتحة وغير المقيدة للمشاركين انتقاد الأعراف المجتمعية والتعمق في مناقشة النسيج الاجتماعي لليمن، وإثارة القضايا ذات الصلة بازدهار مجتمعنا، وممارسة أساليب التعبير الإبداعية. 

ونجحت مجلة المدنية في إنشاء مجتمع على الإنترنت تتاح فيه للمشاركين- لا سيما الصاعدين منهم – فرصة تبادل أفكارهم مع جمهور كبير، بالترافق مع تقديم الدعم والتوجيه من جانب المحررين. ويجعل هذا التفاعل الجمهور أقرب إلى المبدعين، حيث يشارك القراء أفكارهم في التعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إن الحفاظ على مثل هذه النقاشات هو الوقود لمزيد من المخرجات الإبداعية الميالة إلى النقد والتي تدعو إلى دفع أجندة التغيير إلى الأمام داخل مجتمعاتنا المحلية.

 أحد الأمثلة الرائعة على هذا النوع من التفاعل الناقد كان مقالاً كتبه يوسف الصباحي، صانع أفلام يمني مقيم في لوس أنجلوس، بعنوان سد الغريب: ملاحظات على البنية والأداء في الدراما اليمنية. وقدم الصباحي نقداً شاملا للدراما اليمنية من خلال تحليل إنتاج مسلسل بعنوان سد الغريب، والذي عُرض خلال موسم رمضان 2020. وقد أثار هذا المقال نقاشاً حول نقاط ضعف المشهد الدرامي اليمني؛ إذ وجه العديد من القراء النقد إلى كتابة السيناريو والأداء، مما يشير إلى الحاجة إلى الاستثمار في المواهب للعمل على كتابة السيناريو ومهارات التمثيل من خلال التوجيه والتعاون المؤسسي.

 وعلى الرغم من أن المجلة لا تتناول الجدل السياسي، فإنها لا تنأى بنفسها وقرائها عن الرؤى المتعلقة بسياسات الهوية وتحليل الشخصيات التاريخية والسياسية في البلاد. ويفهم من توجه المجلة أن الفن – كوسيلة للتعبير- لا ينفصل عن الخطاب السياسي وواقع الصراع في اليمن. فالقدرة على وضع الأحداث التاريخية والشخصيات البارزة موضع تساؤل هي إحدى طرق فهم التاريخ السياسي للبلاد خارج الروايات الموجودة مسبقًا. إحدى المقالات التي حظيت بشهرة في “المدنية” تأملات نقدية في أسطورة الحمدي، وهو مقال يلقي الضوء على الروايات المنسوبة إلى الرئيس السابق إبراهيم الحمدي من منظور معاصر. وتوسع هذه المقاربة من إمكانيات إقامة الكتاب صلة مع منصة موثوقة، حيث يمكنهم التعبير عن آرائهم الاجتماعية والثقافية بكل طلاقة. 

من خلال استخدام الفضاء الرقمي وقنوات التواصل الاجتماعي المختلفة، أوجدت المدنية علاقة ثنائية الاتجاه بين المشاركين والقراء. علاوة على أنها قللت من الفجوة بين صناع المحتوى والمتلقين بطريقة تسمح للجمهور بأن يكون جزءاً من العملية عن طريق إشراك أعضاء الجمهور الموهوبين وتمكينهم من المشاركة في إنتاج المقالات، فالقراء مدعوون لمشاركة أفكارهم حول كل مقال جديد، وغالبًا ما يتم تشجيعهم على مشاركة تجاربهم الشخصية كشكل من أشكال تحفيز النقاش على التعمق أكثر. وبالاعتماد على نهج الاحتفاء بجميع الأصوات اليمنية بالإضافة إلى تقديم الدعم والإرشاد، أصبح من السهل لحد ما على الفنانين والكتاب الشباب استكشاف أفكارهم ومشاطرة آرائهم. فامتلاك مساحة للحوار والتفاعل، وكذلك القدرة على التحدث إلى عقول الآخرين وتبادل الآراء هو جوهر ازدهار المجتمعات الفنية.

 ونجد، علاوة على ذلك، أن المدنية لم تحصر تمثيل اليمن على المدن المركزية أو على السرديات المهيمنة، بل أعطت مساحة للقصص من طيف المجتمعات المتنوعة في اليمن، كما أخذت على عاتقها مهمة أن تكون أكثر شمولاً من خلال مشاركة المزيد من القصص من المجموعات الممثلة تمثيلاً ضعيفًا ضمن التنوع الاجتماعي والجغرافي والعرقي في اليمن. 

في حديث مع فاطمة صالح، محررة الفنون والثقافة في “المدنية”، سلطت الضوء على شراكات المجلة مع فنانين يمنيين لإنتاج تصور فني لمحتوى المقالات المختارة، قائلة إن “معظم الفنانين الذين نتعاون معهم هم مواهب ناشئة، كما نحاول أيضًا تنويع شكل العمل الفني، ونسعى باستمرار لاستكشاف أشكال جديدة من الفنون المرئية”. وتسلط صالح الضوء على إحدى تجاربها الفريدة في العمل مع الكاتبة والفنانة التي عملت على مقال بعنوان “لماذا يقتلُ اليمنيون أسماءهم؟”  باستخدام التصوير الفوتوغرافي المفاهيمي لتوضيح المقال بصريًا. إن الاختيار المتعمد لمضمون المقالات المرئية يندرج في مهمة المجلة المتمثلة في الاستثمار في مواهب الفنانين والمشاركة النشطة في توليد أعمال فنية يمنية أصلية جديدة. وتعزز المقاربة المتعددة التخصصات في إنتاج المحتوى بصرياً ونصياً طرقاً مبتكرة للتعبيرات الذاتية من خلال الفن الرقمي والتصوير الفوتوغرافي والرسم من بين أشياء أخرى كثيرة. 

منذ إطلاقها، نشرت مجلة المدنية مئات المقالات بالتعاون مع مجموعة واسعة من الكتاب والفنانين اليمنيين من مختلف المشارب والتوجهات. ويسمح هذا النهج التحريري للمشاركين بتوسيع الأطر المتاحة في معالجة القضايا الاجتماعية والموضوعات الثقافية في مناطق مختلفة من اليمن. يقول حمزة شيبان، مدير تحرير مجلة المدنية “لدينا تواصل مفتوح مع الكتاب بخصوص تحرير المقالات، ولا نفرض حدودًا إبداعية أو أيديولوجية على المشاركين، ونعمل مع كتاب من جميع المستويات: بعضهم من فئة الكتّاب الممن معروفين سبق لهم مزاولة النشر، وبعضهم ممن لم يسبق لهم النشر مسبقا؛ أي ممن ينشر مقالاً لأول مرة، وينطبق نفس الشيء على الفنانين المشاركين”.  

المدنية منصة ثنائية اللغة؛ تنشر فيها المقالات باللغتين العربية والإنجليزية.  فمخاطبة الجمهور العالمي بقصص كتبها كتاب يمنيون هي الطريقة الوحيدة لإخراج اليمن من إطار الصور التي تثبتها وتنمطها وسائل الإعلام السائدة. وتتمثل هذه الطريقة في الكشف عن المواهب والمهارات وعن أفكار الشباب وعن الآفاق المبتكرة التي يختطها المبدعون. إن تأويل السياق الثقافي ليس عملاً سهلاً؛ فقد يضيع المعنى في الترجمة من لغة إلى أخرى. وكما يقول شيبان: “إن كون المدنية منصة ثنائية اللغة هو مزية؛ فرؤية محتوى المدنية مستخدما بوصفه مرجعا مقتبسا في مواقع ومنصات أخرى هو أمر يبعث على الرضى في أن الجهود المبذولة قد حققت صدى”. إن التركيز على الأصوات اليمنية في وسائل الإعلام ضرورة ملحة لمواجهة الصورة النمطية المثبتة عن اليمن والمجتمع اليمني التي تبقيها القنوات الإعلامية المختلفة ذات ديمومة. لكن اليوم، أصبح المتحدثون باللغة الإنجليزية قادرين على تصفح المحتوى الأصلي والمصادر التي أنشأها كتاب وفنانون يمنيون لمعرفة المزيد عن ثقافة وفن بلدنا.

على الرغم من أنّ أي شكل “إلكتروني” من أشكال مشاركة المعلومات في السياق اليمني لا بد أن يظل غير قادر على إشراك شريحة كبيرة من السكان بسبب انخفاض نسب انتشار شبكة الإنترنت وضعف الاتصال، فإن المرء يلاحظ أن وسائل الإعلام الرقمية والإلكترونية لها تأثير في تحفيز النقاشات الاجتماعية والثقافية. ومن أجل المضيّ قدمًا، فإن فريق المدنية يبحث باستمرار عن مواهب جديدة للمساهمة في النشر. وفي هذا العام، على وجه الخصوص، هناك اهتمام باستكشاف أشكال جديدة من الفن المعاصر، والهدف من ذلك هو تعريف الجمهور بأشكال ونماذج جديدة من الممارسات الفنية التي لم يتم تسليط الضوء عليها من قبل. ومن جهة أخرى، فإن المجلة ستواصل البحث بشكل أعمق في الماضي لاستكشاف المزيد من الأحداث التاريخية إلى جانب المشاركين فيها، ولكنها ستتطلع قدما، أيضاً، إلى مستقبل اليمن.

نبذة عن الكاتبة: طالبة دراسات عليا في مجال الصحافة والإعلام ودراسات العولمة. تعمل بعد أوقات الدراسة كباحثة في مجال الاتصال والإعلام الحديث. وهي حاصلة على درجة البكلاريوس في مجال إدارة تكنلوجيا المعلومات من الجامعة الأمريكية في بيروت. في عام 2019 عملت في دار النمر للفنون والثقافة مع فريق من المهنيين في مجال الإعلام  وتمحيص المعلومات والتواصل. وفي 2020 التحقت بفريق المركزاليمني للدراسات لمدة قصيرة. ولها نشاطات فاعلة في دعم النشاطات الثقافية في اليمن سواء بصورة مستقلة وعن طريق بعض الفضاءات مثل مؤسسة بيسمنت. هذا إلى جانب مشاركاتها في النشر عن الثقافة الشعبية والثقافة البديلة  و الإعلام الرقمي في منطقة الشرق الأوسط في مواقع مختلفة مثل فايس آربيا ومجلة المدنية. تنقلت في إقامتها بين اليمن ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك، وتقيم في الوقت الراهن في ألمانيا.

المحرر: مرايكا ترانسفيلد

محرر النسخة:

المترجم: فاطمة صالح

المصور: المدنية

المانح: وزارة الخارجية ألمانيا الاتحادية

Share on facebook
Share on Facebook
Share on twitter
Share on Twitter
Share on linkedin
Share on LinkedIn

References :

[1]YPC nationwide representative survey, April–July 2019. Data cited in this paper is drawn from this survey unless otherwise indicated.

[2] UN News “Humanitarian crisis in Yemen remains the worst in the world, warns UN” Feb 2019. https://news.un.org/en/story/2019/02/1032811 (Accessed 3 March 2020).

[3] Wadhah Al-Awlaqi and Maged Al-Madhaji, Rethinking Yemen’s economy: Local governance in Yemen amid conflict and instability, July 2018. https://devchampions.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No2_En.pdf (Accessed 8 March 2020); Mansour Rageh, Amal Nasser, and Farea Al-Muslimi, “Yemen without a Functioning Central Bank: The Loss of Basic Economic Stabilization and Accelerating Famine,” Sana’a Center for Strategic Studies, November 2016. http://sanaacenter.org/publications/main-publications/55 (Accessed 23 May 2018).

[4]Data source: OCHA, “Humanitarian needs overview 2019: Yemen”, December 2018. https://yemen.un.org/sites/default/files/2019-08/2019_Yemen_HNO_FINAL.pdf (Accessed 11 March 2020).

[5] Final report of the Panel of Experts on Yemen, addressed to the President of the Security Council, January 2020. https://undocs.org/S/2020/70 (Accessed 11 March 2020).

[6] Mareike Transfeld, “Implementing Stockholm: The Status of Local Security Forces in al-Hodeidah,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, Policy Report, November 2019. http://www.yemenpolling.org/Projects-en/ICSP_EU_HodeidahReport2019November30.pdf (Accessed 16 February 2020).

[7] Mareike Transfeld and Shaima Bin Othman, “The State of the Police in Western Yemen”, YPC research debrief, Yemen Polling Center, Research Debrief, January 2020. https://www.yemenpolling.org/4325/ (Accessed 16 February 2020).

[8] Amnesty International, “Yemen: Fierce new offensive displaces tens of thousands of civilians from Hodeidah” May 2018. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2018/05/yemen-fierce-new-offensive-displaces-tens-of-thousands-of-civilians-from-hodeidah/ (Accessed 5 March 2020).

[9] Maged Sultan, Mareike Transfeld and Kamal Muqbil, “Formalizing the Informal State and Non-State Security Providers in Government-Controlled Taiz City,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, July 2019. https://yemenpolling.org/advocacy/upfiles/ICSP_EU_FinalTaizReport2019July19.pdf (Accessed 16 February 2020).

[10] Nadwa al-Dawsari , “Tribal Governance And Stability In Yemen “, The Carnegie papers, Carnegie endowment (April 2012). https://carnegieendowment.org/files/yemen_tribal_governance.pdf (Accessed 5 March 2020).

[11]CIVIC, “We Did Not Know If We Would Die From Bullets Or Hunger” Civilian Harm and Local Protection Measures in Yemen “, Jan 2019, https://civiliansinconflict.org/wp-content/uploads/2020/01/YEMEN_BulletsorHunger_FINAL_PROOF.pdf (Accessed 5 March 2020).

[12] Fatima Saleh and Ahmed al-Sharjabi “Institutional Prerequisites for the STC “Coup” in Aden and Perspectives on the Jeddah Deal” , research debrief, Yemen Polling Center, Oct 2019. https://www.yemenpolling.org/institutional-prerequisites-for-the-stc-coup-in-aden-and-perspectives-on-the-jeddah-deal/ (Accessed 16 February 2020).

[13] Human Rights Watch, “Yemen: Riyadh Agreement Ignores Rights Abuses”, December 2019, https://www.hrw.org/news/2019/12/12/yemen-riyadh-agreement-ignores-rights-abuses Accessed 5 Mar 2020; Human Rights Watch,  “Yemen: UAE Backs Abusive Local Forces” June 2017.