سيف الكامل

لأن اليمنيين هم وحدهم من يستطيعون حل خلافاتهم، فإنّ على القوى الخارجية أن تحل خلافتها الخاصة


فبراير ٢٠٢١

تقترب الحرب في اليمن من عامها السابع، وعلى الرغم من تصريح الرئيس الأمريكي بايدن بضرورة إنهاء الحرب، فإن نهايتها لا تلوح في الأفق. ما بدأ في 2004 من صراع على مستوى مغرق في محليته بين الحكومة المركزية والمتمردين الحوثيين في محافظة صعدة أصبح حربا شاملة بعد أن تدخل ما سمي بـ” التحالف العربي” داعما الحكومة المعترف بها دوليا في مارس 2015م. ومن الواضح أن أطرافا يمنية هي من أثارت القتال، غير أن الدور الذي لعبته القوى الإقليمية سواء في تصعيد الصراع أو في تطويل مدته لا ينبغي أن يقلل من شأنه. ونتيجة لذلك، كما يجادل الباحث اليمني سيف كامل، فإنّ إنهاء الحرب بصورة جادة يتطلب، على وجه الإلحاح والإلزام، إشراك هذه القوى الإقليمية في أي محادثات سلام قادمة.

دأب عدد من الأطراف الخارجية، طيلة ست سنوات، على دعم فصائل محلية منخرطة في الحرب اليمنية. وهنا يشار إلى أنّ إيران والمملكة السعودية ودولة الإمارات وقطر وعمان ضالعة كلها في دعم وتمويل وتسليح مجموعات محلية كالحوثيين وحزب الإصلاح والسلفيين والمجلس الانتقالي الجنوبي وغيرها من الفصائل، وترمي تلك الدول إلى تعزيز أجنداتها وخططها من خلال ذلك. لقد استغلت هذه الدول الإقليمية غياب الدولة اليمنية ساعية إلى خدمة طموحاتها الأيديولوجية والجغرافية والسياسية الخاصة.

وعلاوة على ذلك، فقد أسهمت، أيضا، قوى دولية في الأزمة إمّا عن طريق تصدير الأسلحة ومساعدة حلفائها في المنطقة أو عن طريق غضها الطرف عما يدور مكتفية بالتفرج السلبي. ولعل لهذه القوى الخارجية دوافعها المختلفة، غير أنها كلها تشترك في مصلحة واحدة: هي استمرار الصراع. ومن هنا، فإنّ تغيير هذه الحسابات هو من أصعب المهام، لكن في الآن نفسه، من أهم ما ينبغي أن يفعله أولئك الذين ينشدون السلام في البلد.

القوى الإقليمية منشغلة بالسعي وراء تحقيق مصالحها الوطنية الخاصة

دعمت إيران، ولا تزال تدعم، الحوثيين في اليمن بصورة جزئية؛ لأن الصراع قد سمح لها بأن تضع صنعاء ضمن قائمة العواصم العربية التي تدخل ضمن فضاء نفوذها إلى جانب بغداد ودمشق وبيروت، كما صرح بذلك السفير الإيراني في صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون. وإضافة إلى ذلك، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تجد لديها إلا قدرا ضئيلا من الرغبة في السعي من أجل سلام في اليمن؛ لأنها ترى في الحرب ورقة تستخدمها لمضايقة منافسيها التاريخيين من دول مجلس التعاون الخليجي والضغط عليهم، مع ما يتيحه لها هذا الوضع من تقديم الدعم للأقليات الشيعية الواقعة في هذا المحيط الإقليمي.

تنظر دول الخليج إلى اليمن باعتبارها دولة جارة مكتظة بالسكان وفقيرة ومصدرا للمتاعب. كما ترى أن الحرية النسبية التي تتوفر في اليمن المعاصر تشكل تهديدا لأنظمتها. ومن هنا، فإن السلام في اليمن قد يمثل أولوية لدى دول الخليج، فقط، في حال كان غيابه مصدر تهديد لاستقرارها. وفي حقيقة الأمر، فإن يمنا ضعيفا وممزقا وغارقا في مستنقع العنف هو ما يمكن أن يمهد الطريق أمام الطموحات التوسعية الأساسية للدول الخليجية، وسيكون من شأنه، أيضا، أن يساعدها في إدامة سيطرتها على الموانئ والجزر اليمنية المهمة، وأن يمكنها من الوصول إلى البحر العربي من أجل تصدير النفط.

وينطبق ذلك بصورة خاصة على المملكة السعودية التي كشفت عن طموحاتها في بناء خط أنابيب لتصدير النفط عن طريق البحر العربي عبر محافظة المهرة، ومن ثم يعبر من خلال مضيق هرمز. إن ميل السعودية الواضح نحو منع حدوث انتصار عسكري لصالح أي طرف من أطراف الحرف- حتى لصالح الحكومة المعترف بها دوليا التي تدعي السعودية وقوفها إلى جانبها- يؤشر إلى السياسة السعودية طويلة المدى التي تتمثل في ترسيخ حالة عدم الاستقرار في اليمن حتى يكون الطريق ممهدا دائما أمام طموحاتها.

وقد أظهرت دولة الإمارات العربية المتحدة مطامح شبيهة بتلك التي رأيناها لدى السعودية. فعلى الرغم من إعلانها أنها انسحبت من اليمن في العام 2019م، فإن الحكومة المعترف بها دوليا اتهمت دولة الإمارات بأنها تتصرف كدولة محتلة بعد أن تحركت باتجاه دعم جماعات محلية كي تسيطر على المناطق الساحلية اليمنية، وعلى موانئ ومطارات وجزر تقع في نطاق تلك المناطق.

أما نهج قطر في هذا الشأن، فإنه يختلف قليلا، غير أنها لا تقل عن نظيراتها في مدى التدخل. انسحبت قطر من التحالف العربي الذي تقوده السعودية بسبب الأزمة السياسية مع الرياض وأبوظبي في يونيو 2017م. غير أنها ظلت تدعم حزب التجمع اليمني للإصلاح (وهو فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن)، مع أن السعودية والإمارات تعدان هذه الجماعة منظمة إرهابية. ومن جهة أخرى، فإنّ الحكومة المعترف بها دوليا اتهمت قطر بدعم الحوثيين.

الطريق إلى سلام مستدام طال انتظاره يبدأ بتحديد القوى ذات النفوذ

لطالما أظهرت تجارب القانون الدولي الخاص بتعزيز السلام أنّ من الأهمية بمكان إحضار الأعداء المنخرطين في الصراعات الطويلة ليجلسوا حول طاولة مفاوضات مشتركة. في الحقيقة، فإن هذا الموضوع يتعلق بالإرادة السياسية وبالتوقيت. فعلى سبيل المثال، عندما أرادت إدارة الرئيس السابق ترامب إنجاح سياسة معينة في الشرق الأوسط، جعلت أربع دول عربية في فترة وجيزة تطبع علاقاتها مع إسرائيل بعد 70 سنة من انعدام العلاقات الدبلوماسية.

يأمل مناصرو السلام أن الرئيس الأمريكي المنتخب مؤخرا جو بايدن سيعمد إلى التأثير على زعماء المنطقة وعلى الجماعات المنخرطة في الصراع من أجل إنهاء الحرب. لاسيما أنه قد مهد لذلك ببعض الخطوات كإلغاء تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية، و إيقاف مبيعات الأسلحة إلى التحالف.

وفوق الضغوط الأمريكية ينبغي أن تضطلع الأمم المتحدة بالمزيد من المساعي. يجب أن تدعو القوى الإقليمية والدولية الضالعة في الصراع إلى أن تحل خلافاتها وتتوقف عن التدخل في شؤون اليمن. وهذا سيجعل إيقاف إطلاق النار بين القوى المحلية أكثر يسرا. ومع أن إقناع الجماعات بأن تضع أسلحتها يبدو  احتمالا بعيدا، إلا أنه يمكن أن يكون ممكنا مع وجود ضغط حقيقي من رعاتهم الإقليميين والدوليين. وبعد ذلك، فإن على الأطراف المحلية أن تجلس إلى طاولة المفاوضات التي يفضل أن تبدأ من حيث انتهى مؤتمر الحوار الوطني وتكون هيكلياته ومخرجاته هي الإطار المرجعي لتلك المفاوضات.

يجادل الكثيرون بأن اليمنيين هم من بدأ الحرب وأن عليهم هم أن ينهوها. غير أن إنجاز السلام في اليمن لم يعد أمرا داخليا. ويرجع الفشل في مساعي السلام الدولية إلى تجاهلها لجماعات محلية مسلحة جديدة وتركيزها فقط على الحكومة المعترف بها دوليا والحوثيين، وهذان الطرفان لم يعودا يملكان مفاتيح تحقيق سلام قابل للديمومة. وفي ظل الأدوار المؤثرة للقوى الخارجية، فإن تنازلات معتبرة عن القتال لن تحدث مالم يمارس المجتمع الدولي ضغوطه على هذه القوى الخارجية كي تنسحب وتترك اليمنيين ينقذون ما تبقى لهم من بلدهم.

نبذة عن الكاتب: سيف الكامل حاصل على شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية. عمل، ولا يزال يعمل، محاضرا ومستشارا مستقلا في اليمن وفي عدد من الدول الأخرى. وقد نشر مقالات عديدة عن اليمن والعالم العربي.

ملاحظة: سيف الكامل هو اسم مستعار لأكاديمي يمني.

تنويه :  الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب/ـة ووجهات نظره/ـا، ولا تعكس، بالضرورة، آراء ووجهات نظر المركز اليمني للسياسات أو الجهات المانحة لمشاريعه.

المترجم:

المحرر: مرايكا ترانزفيلد

محرر النسخة: فينيتيا ريني

المصور:  Shutterstock

المانح: وزارة الخارجية ألمانيا الاتحادية

Share on facebook
Share on Facebook
Share on twitter
Share on Twitter
Share on linkedin
Share on LinkedIn

References :

[1]YPC nationwide representative survey, April–July 2019. Data cited in this paper is drawn from this survey unless otherwise indicated.

[2] UN News “Humanitarian crisis in Yemen remains the worst in the world, warns UN” Feb 2019. https://news.un.org/en/story/2019/02/1032811 (Accessed 3 March 2020).

[3] Wadhah Al-Awlaqi and Maged Al-Madhaji, Rethinking Yemen’s economy: Local governance in Yemen amid conflict and instability, July 2018. https://devchampions.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No2_En.pdf (Accessed 8 March 2020); Mansour Rageh, Amal Nasser, and Farea Al-Muslimi, “Yemen without a Functioning Central Bank: The Loss of Basic Economic Stabilization and Accelerating Famine,” Sana’a Center for Strategic Studies, November 2016. http://sanaacenter.org/publications/main-publications/55 (Accessed 23 May 2018).

[4]Data source: OCHA, “Humanitarian needs overview 2019: Yemen”, December 2018. https://yemen.un.org/sites/default/files/2019-08/2019_Yemen_HNO_FINAL.pdf (Accessed 11 March 2020).

[5] Final report of the Panel of Experts on Yemen, addressed to the President of the Security Council, January 2020. https://undocs.org/S/2020/70 (Accessed 11 March 2020).

[6] Mareike Transfeld, “Implementing Stockholm: The Status of Local Security Forces in al-Hodeidah,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, Policy Report, November 2019. http://www.yemenpolling.org/Projects-en/ICSP_EU_HodeidahReport2019November30.pdf (Accessed 16 February 2020).

[7] Mareike Transfeld and Shaima Bin Othman, “The State of the Police in Western Yemen”, YPC research debrief, Yemen Polling Center, Research Debrief, January 2020. https://www.yemenpolling.org/4325/ (Accessed 16 February 2020).

[8] Amnesty International, “Yemen: Fierce new offensive displaces tens of thousands of civilians from Hodeidah” May 2018. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2018/05/yemen-fierce-new-offensive-displaces-tens-of-thousands-of-civilians-from-hodeidah/ (Accessed 5 March 2020).

[9] Maged Sultan, Mareike Transfeld and Kamal Muqbil, “Formalizing the Informal State and Non-State Security Providers in Government-Controlled Taiz City,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, July 2019. https://yemenpolling.org/advocacy/upfiles/ICSP_EU_FinalTaizReport2019July19.pdf (Accessed 16 February 2020).

[10] Nadwa al-Dawsari , “Tribal Governance And Stability In Yemen “, The Carnegie papers, Carnegie endowment (April 2012). https://carnegieendowment.org/files/yemen_tribal_governance.pdf (Accessed 5 March 2020).

[11]CIVIC, “We Did Not Know If We Would Die From Bullets Or Hunger” Civilian Harm and Local Protection Measures in Yemen “, Jan 2019, https://civiliansinconflict.org/wp-content/uploads/2020/01/YEMEN_BulletsorHunger_FINAL_PROOF.pdf (Accessed 5 March 2020).

[12] Fatima Saleh and Ahmed al-Sharjabi “Institutional Prerequisites for the STC “Coup” in Aden and Perspectives on the Jeddah Deal” , research debrief, Yemen Polling Center, Oct 2019. https://www.yemenpolling.org/institutional-prerequisites-for-the-stc-coup-in-aden-and-perspectives-on-the-jeddah-deal/ (Accessed 16 February 2020).

[13] Human Rights Watch, “Yemen: Riyadh Agreement Ignores Rights Abuses”, December 2019, https://www.hrw.org/news/2019/12/12/yemen-riyadh-agreement-ignores-rights-abuses Accessed 5 Mar 2020; Human Rights Watch,  “Yemen: UAE Backs Abusive Local Forces” June 2017.