أصيل سارية

كيف يمكن للصحافة الاستقصائية أن تسهم في عملية السلام في اليمن؟


فبراير ٢٠٢١

قضت الحرب اليمنية على بقية حرية التعبير التي كان الصحفيون يتمتعون بها في البلد. وقد انتهى مصير العشرات منهم إما قتلا أو اختطافا أو إخفاء قسريا ومنهم من وضع ضمن صف المحكوم عليهم بالإعدام. من ضمن قائمة تضم 180 دولة جاءت مرتبة اليمن 167 في حرية الصحافة، حسب تصنيف “صحفيون بلا حدود”. وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه لايزال هنالك بعض الصحفيين اليمنيين الشجعان الذين يعملون على نشر تحقيقات استقصائية ذات أهمية. يخاطر هؤلاء الصحفيون بأرواحهم؛ فهم يتجاوزن مجرد التغطية للأحداث إلى العمل على كشف النشاطات الخفية للمتنفذين وملاك السلطة والأموال. يذهب أصيل سارية – وهو حائز على جائزة في مجال التحقيق الاستقصائي- إلى أن الصحافة الاستقصائية، بوصفها أداة لتحقيق الشفافية، تنطوي على إمكانيات المساهمة في تحقيق سلام في البلاد؛ ومن هنا، فإنه ينبغي دعمها ليكون لها مكانتها التي تستحقها في اليمن.

الصحافة الاستقصائية أداة قوية عندما تستخدم بصورة صحيحة. ومن هنا، فإنّ إيجاد مؤسسات تدعم هذا النوع من الصحافة قد يعزز من ثقافة الشفافية التي من شأنها أن تكون أداة ردع لأطراف الصراع المتورطة في انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان، والحقوق المدنية، وحقوق النساء والأطفال، دون أن تخضع لأية محاسبة. وهذا يعني أن دعم مجموعة الصحفيين الاستقصائيين اليمنيين الناشئين – رغم التحديات التي على الأرض- أمر ذو أهمية حيوية من أجل مستقبل اليمن.

وبطبيعة الحال، فإنّ إظهار الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان وجوانب الفساد في البلد يتطلب عملا صحفيا يتسم بالمهنية العالية وبالمثابرة الجادة والدقة الصارمة. لقد أصبحت اليمن مكانا تمارس فيه الجماعات المسلحة الخارجة على القانون ما يروق لها من أعمال ومخالفات. ومن هنا، فحتى تكون الصحافة قادرة على التأثير من أجل الضغط لتحقيق المحاسبة، فإنها بحاجة إلى أن ترقى في أدائها إلى مستوى المعايير الدولية. ولكي يستطيع الصحفيون اليمنيون مواجهة التحديات بالمهارات المطلوبة، فإنّ ذلك يتطلب تلقيهم للتدريب العملي والتمويل والدعم من قِبل شبكات الإعلام الإقليمية والدولية.

الصحفيون الاستقصائيون اليمنيون في ازدياد

على الرغم من أن الصحافة الاستقصائية غير راسخة الوجود بالشكل المطلوب في المشهد الإعلامي اليمني، فإن عددا من الصحفيين اليمنيين قد حازوا اعترافا إقليميا ودوليا. فعلى سبيل المثال، استطاع الصحافي محمد الحسني أن يفوز بجائزة ملتقى اريج السنوي للعام 2020 عن تحقيقه “محاجر الموت في اليمن، الهروب الكبير” الذي كشف عن هروب المصابين بكوفيد19 من مراكز الحجر التي أقامتها السلطات اليمنية: الحوثيون والحكومة المعترف بها دوليا. هرب المصابون بالفيروس مقابل دفع أموال للقائمين على تلك المراكز أو العاملين بها.

غير أن الصحافة الاستقصائية لا تحتاج إلى أن تنال الجوائز حتى يكون لها تأثير على الأرض.  فالتحقيق الذي جاء تحت عنوان “وثيقة سفر ” وهو من إنتاج شبكة أريج 2017 وبث على قناة DW دوتش فله الألمانية- قد كشف عن فساد كبير يواجه اليمنيين أثناء محاولتهم الحصول على جوازات سفر. وهو ما يضطرهم إلى اللجوء إلى السوق السوداء من أجل الحصول على الوثائق الوطنية وشرائها بمبالغ ضخمة تفوق إمكانياتهم. وقد كان للتحقيق صدى؛ فقد فرضت وزارة الداخلية في صنعاء إجراءات جديدة للحصول على الجوازات.

كشف الصحفيون أيضا عن انتهاكات ضد حقوق الإنسان ترتكبها أطراف الصراع، وساعدت تحقيقات هؤلاء الصحفيين على توثيق وحفظ الأدلة التي من شأنها أن تفيد في عملية العدالة الانتقالية بعد الصراع. وعلى سبيل المثال، فقد كشف تحقيق ” أطفال تحت المقصلة ” الذي أنتجته شبكة أريج في العام 2017 عن إصدار القضاء اليمني لأحكام إعدام ضد أطفال دون السن القانونية في مخالفة للدستور والقوانين. استطاع التحقيق بعد بثه أن يوقف تنفيذ أحكام إعدام ضد بعض الأطفال؛ بل شكل ضغطا جديدا على السلطات القضائية التي لم تصدر أي حكم من هذا القبيل بعد بث التحقيق.

الشراكة عامل أساسي للعمل الصحفي الاستقصائي

استفاد الصحفيون الاستقصائيون في اليمن بصورة كبيرة من التعاون مع شبكات دولية وإقليمية، مثل مؤسسة فريدريش ايبرت التي قدمت تدريبا مفيدا في مجال الصحافة الاستقصائية. وكذلك الدور الخاص والكبير الذي تضطلع به شبكة أريج، كما يبين ذلك حديثنا عن التحقيقات الصحفية في الفقرات السابقة. وكما يفيد موقع الشبكة، فإن (أريج) أو “إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية” قد تأسست في عمان بالأردن عام 2005 للمساهمة في دعم صحافة استقصائية احترافية مستقلة ذات جودة عالية، من خلال تنظيم ورشات تدريب نوعية متقدمة وتوفير خبرات إشراف ومتابعة للصحفيين على يد إعلاميين محترفين، وتمويل إنتاج تحقيقات متنوعة والتشبيك مع منصات نشر عربية ودولية.

بدأت شبكة أريج العمل في اليمن خلال العام 2007 عندما دربت عشرات الصحفيين اليمنيين. ولاحقا خلال العام 2013 ساعدت أريج في إيجاد وحدة استقصاء في مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة للنشر. وكان الهدف من ذلك هو تعزيز دور الصحافة الاستقصائية في اليمن أثناء الوضع الهش عقب أحداث العام 2011، وقد ساعدت أريج في تقديم دعم فني ومهني للصحفيين المتدربين في هذه المؤسسة.  غير أن اندلاع الصراع في نهاية العام 2014 قد حال دون تطور هذه النواة من المهنيين بحيث يصل تأثيرها إلى وسائل إعلام يمنية أخرى، كما كان مخططا له.

وعلى الرغم من ذلك، فقد استمر بعض الصحفيين اليمنيين في تنظيم أنفسهم. على سبيل المثال، فقد انطلقت الشبكة اليمنية للصحافة الاستقصائية “يمان” في العام 2019. وهي شبكة استقصائية كوّنها مجموعة من الصحافيين اليمنيين لتكون نموذجا محليا يقتبس من تجربة “أريج”. وتهدف إلى تعزيز دور الصحافة اليمنية في الرقابة والمسائلة عبر مجموعة من برامج التدريب. علاوة على أن الشبكة تسعى إلى توفير التمويل للصحافيين الاستقصائيين اليمنيين لمساعدتهم على إنتاج قصص استقصائية مكتوبة ومصورة. وتهدف الشبكة، أيضا، إلى تقديم الدعم والمساندة القانونية والاستشارية للصحافيين اليمنيين ومساعدتهم في نشر إسهاماتهم على نطاق واسع.

يجب دعم الصحافة الاستقصائية رغم وجود التحديات

ليست البيئة اليمنية بالمكان الداعم لوجود هذا النوع من الصحافة ذات المخاطر العالية. فالصحفيون فيها يخطفون دائما، ويعتقلون، ويتم إسكاتهم، بل يكون بعضهم عرضة للإعدام بسبب مواقفهم السياسية. وكثيرون من صحفيي اليمن اليوم لا يريدون أن يعرضوا أنفسهم أو ما لديهم من موارد لخطر الاعتقال والمصادرة بناء على اتهامات مختلفة.

وعلاوة على ذلك، فإن التمزق في المشهد الإعلامي اليمني وفقا للانتماءات السياسية قد جعل العمل الصحفي المستقل من الصعوبة بمكان. وبازدياد حدة الأزمة الاقتصادية في البلد يميل الصحفيون إلى الاعتماد في مصادر دخلهم على بعض الجهات الفاعلة في الصراع التي تدفع لهم كي يأثروا على الرأي العام لمصلحتها. وحتى يكون الصحفيون متحررين من قيود التأثيرات، فإنه ينبغي أن يكون لهم منصاتهم المستقلة للنشر. غير أن العائق الأساسي أمام هذه الاستقلالية هو أن كثيرا من الناس لا يجدون ما يوفر لهم ولمن يعولونهم من الأسر الدخل الكافي للعيش.

أضف إلى ذلك أن الصحفيين اليمنيين في الغالب يفتقرون إلى المهارات اللازمة لإنتاج تحقيقات عالية الجودة. وحتى إن توفرت لهم المهارات فقد تعترضهم تحديات القدرة على الوصول إلى المعلومات. فالوثائق والسجلات غالبا لا تتوفر، أو تُخفى، على الرغم من أن الحكومة قد أصدرت قانون الحق في الوصول إلى المعلومات عام 2012.

وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن الأساس الذي أوجدته شبكة أريج ومؤسسة فريدريش ايبرت وغيرهما من الجهات قد أثبت أن تقديم المساعدة وفق نهج مباشر من شأنه أن يسهم بصورة ملموسة في تطوير المهارات اللازمة. أمّا ما هو مطلوب اليوم في المشهد الإعلامي اليمني، فهو القيادات الشجاعة والتمويل المستقل. ونحن نرى أنّ من شأن ذلك أنْ يدفع بالصحافة الاستقصائية في اليمن نحو مستويات أعلى.

التمويل والتشبيك والتدريب

تتطلب الصحافة الاستقصائية وقتا، وفي بلد تمزقه الحرب كاليمن، فإنّ من الأهمية بمكان أن يحظى هذا النوع من الصحافة بالتمويل. كما تأتي، هنا، الأهمية الخاصة للتشبيك بين الصحافيين اليمنين بعضهم مع البعض الآخر، وكذلك بينهم والمؤسسات الإعلامية الإقليمية والدولية كما هي الحال مع شبكة أريج. فليس من شأن ذلك استجلاب التمويل اللازم والدعم الفني وحسب؛ بل، أيضا، إن من شأنه أنْ يوسع آثار التفاعل مع التحقيقات، كما حصل بالنسبة للتحقيق الذي بثته القناة الألمانية دوتش فله فقد وجد صداه في الأوساط المحلية.

بعد أن مرَت عشر سنوات على دخول الصحافة الاستقصائية إلى اليمن، فإنّ الوقت قد حان ليكون عمل الصحفيين الاستقصائيين في اليمن قادرا على التوسع والتطور. يحتاج الصحفيون في هذا المجال إلى تدريبات متقدمة على إنتاج تحقيقات تعتمد على المصادر المفتوحة، والذكاء الاصطناعي، والسرد القصصي، وصحافة الهاتف المحمول وغير ذلك.

وبما إن بيئة العمل الصحافي في اليمن من أخطر الأماكن في العالم، فإن الصحافيين الاستقصائيين يحتاجون إلى تدريبات متقدمة في الأمن الرقمي، والتواصل الآمن، وحماية مصادرهم من الاختراقات الرقمية. وأهم من ذلك، فإنهم أيضا بحاجة إلى التدريب على حفاظهم على سلامتهم الذاتية وسلامة من يأخذون عنهم المعلومات. علاوة على ذلك، فإنه ينبغي على المجتمع الدولي، والمجموعات الدولية ذات الصلة، مثل: صحفيون بلا حدود، والعفو الدولي، وهيومان رايتس ووتش، ولجنة حماية الصحفيين- ينبغي عليهم أنْ يمارسوا الضغط على أطراف النزاع بهدف السماح للصحفيين كي يؤدوا مهنتهم دون أية عوائق. إنّ وضع الصحفيين تحت المقاصل هو خط أحمر، والصراع الدائر في البلد لا يبرر ذلك بأية حال.

نبذة عن الكاتب: أصيل سارية صحفي ومنتج تلفزيوني يمني. عمل مراسلاً لقناة “إكسترا نيوز” في اليمن عام 2017، وأنتج تحقيقات تلفزيونية بالتعاون مع شبكة أريج بُثت عبر قنوات مختلفة منها دويتشه فيله. حاز أصيل على جائزة شبكة أريج للعام 2019 لأفضل تحقيق وسائط متعددة (الفئة المفتوحة).

تنويه  الآراء  ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب/ـة ووجهات نظره/ـا، ولا تعكس، بالضرورة، آراء ووجهات نظر المركز اليمني للسياسات أو الجهات المانحة لمشاريعه.

المحرر:مرايكا ترانزفيلد
محرر النسخة: فينيتيا ريني
المترجم:آمال عبدالله
المصور: Shutterstock
المانح: وزارة الخارجية ألمانيا الاتحادية
Share on facebook
Share on Facebook
Share on twitter
Share on Twitter
Share on linkedin
Share on LinkedIn

References :

[1]YPC nationwide representative survey, April–July 2019. Data cited in this paper is drawn from this survey unless otherwise indicated.

[2] UN News “Humanitarian crisis in Yemen remains the worst in the world, warns UN” Feb 2019. https://news.un.org/en/story/2019/02/1032811 (Accessed 3 March 2020).

[3] Wadhah Al-Awlaqi and Maged Al-Madhaji, Rethinking Yemen’s economy: Local governance in Yemen amid conflict and instability, July 2018. https://devchampions.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No2_En.pdf (Accessed 8 March 2020); Mansour Rageh, Amal Nasser, and Farea Al-Muslimi, “Yemen without a Functioning Central Bank: The Loss of Basic Economic Stabilization and Accelerating Famine,” Sana’a Center for Strategic Studies, November 2016. http://sanaacenter.org/publications/main-publications/55 (Accessed 23 May 2018).

[4]Data source: OCHA, “Humanitarian needs overview 2019: Yemen”, December 2018. https://yemen.un.org/sites/default/files/2019-08/2019_Yemen_HNO_FINAL.pdf (Accessed 11 March 2020).

[5] Final report of the Panel of Experts on Yemen, addressed to the President of the Security Council, January 2020. https://undocs.org/S/2020/70 (Accessed 11 March 2020).

[6] Mareike Transfeld, “Implementing Stockholm: The Status of Local Security Forces in al-Hodeidah,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, Policy Report, November 2019. http://www.yemenpolling.org/Projects-en/ICSP_EU_HodeidahReport2019November30.pdf (Accessed 16 February 2020).

[7] Mareike Transfeld and Shaima Bin Othman, “The State of the Police in Western Yemen”, YPC research debrief, Yemen Polling Center, Research Debrief, January 2020. https://www.yemenpolling.org/4325/ (Accessed 16 February 2020).

[8] Amnesty International, “Yemen: Fierce new offensive displaces tens of thousands of civilians from Hodeidah” May 2018. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2018/05/yemen-fierce-new-offensive-displaces-tens-of-thousands-of-civilians-from-hodeidah/ (Accessed 5 March 2020).

[9] Maged Sultan, Mareike Transfeld and Kamal Muqbil, “Formalizing the Informal State and Non-State Security Providers in Government-Controlled Taiz City,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, July 2019. https://yemenpolling.org/advocacy/upfiles/ICSP_EU_FinalTaizReport2019July19.pdf (Accessed 16 February 2020).

[10] Nadwa al-Dawsari , “Tribal Governance And Stability In Yemen “, The Carnegie papers, Carnegie endowment (April 2012). https://carnegieendowment.org/files/yemen_tribal_governance.pdf (Accessed 5 March 2020).

[11]CIVIC, “We Did Not Know If We Would Die From Bullets Or Hunger” Civilian Harm and Local Protection Measures in Yemen “, Jan 2019, https://civiliansinconflict.org/wp-content/uploads/2020/01/YEMEN_BulletsorHunger_FINAL_PROOF.pdf (Accessed 5 March 2020).

[12] Fatima Saleh and Ahmed al-Sharjabi “Institutional Prerequisites for the STC “Coup” in Aden and Perspectives on the Jeddah Deal” , research debrief, Yemen Polling Center, Oct 2019. https://www.yemenpolling.org/institutional-prerequisites-for-the-stc-coup-in-aden-and-perspectives-on-the-jeddah-deal/ (Accessed 16 February 2020).

[13] Human Rights Watch, “Yemen: Riyadh Agreement Ignores Rights Abuses”, December 2019, https://www.hrw.org/news/2019/12/12/yemen-riyadh-agreement-ignores-rights-abuses Accessed 5 Mar 2020; Human Rights Watch,  “Yemen: UAE Backs Abusive Local Forces” June 2017.