آدم بارون

خمسة أسئلة عن المشهد الثقافي في اليمن


مارس 2022

تعتبر الثقافة والتراث مجالات متنازع عليها في أوقات السلم وهي أكثر من ذلك في أوقات الصراع. تحدثنا مع عزيز مرفق من مؤسسة البيسمنت الثقافية عن آرائه حول كيفية تأثير الصراع الحالي على المشهد الثقافي في اليمن.

1- كيف تصف الوضع الحالي للمشهد الثقافي في اليمن؟

إنه سباقٌ مع الزمن لجمع وفهم ما تراكم عبر القرون. يتعيَّن على الأشخاص العاملين في المشهد الثقافي تحدِّي الظروف المعادية، لا سيَّما سياسات الأمر الواقع للسلطات تجاه الفنون والثقافة في أجزاءٍ مختلفة من البلاد. كان اليمن محظوظًا لأنه بعد إنشاء جمهوريتي شمال وجنوب اليمن، كانت هناك جهودٌ لتنظيم الممارسات الثقافية. لكنَّ هذه كانت في الغالب ممارسات منعزلة لحكامٍ مستنيرين، كما هو الحال في المكلا ولحج، أو من قِبَل الأفراد الذين أخذوا ذلك على عاتقهم في عدن. كان هذا النضال من أجل تعزيز المشهد الثقافي جزءًا من النضال الوطني: كان أمراً أساسياً، وكانت له عيوبه، لكنه ظلَّ مستمرًّا.

لفَهم الوضع الحالي، علينا النظر إلى خلفية الموضوع. لطالما كانت البنية التحتية الثقافية اليمنية هي الهدف الأول لأي سلطة سياسية. بعد استغلالها لكسب القبول الشعبي، يغيِّرها القادة لجعلها قابلة للتكيُّف مع أجنداتهم السياسية. على سبيل المثال، انظر إلى تاريخ اليمن منذ نهاية الاحتلال العثماني. سترى ممارساتٍ ثقافية مختلفة تختفي، لأنَّ القوى السياسية تعتقد أنها تمثِّل النظام القديم. احتفظ الإمام يحيى بنفس الهياكل العسكرية والإدارية والألقاب مثل الأتراك العثمانيين، في حين دمَّر أو أهمل أنواعًا أخرى من التراث العثماني الذي كان يمكن أن يصبح مفيدًا لإعادة الاتصال بالعالم. أدَّى قمع بعض أشكال الموسيقى والموسيقيين إلى فرار كثيرٍ منهم إلى مستعمرة عدن، حيث ازدهر الفن الصنعاني. مارس البعضُ الفنون في الخفاء، خوفًا من الاعتقال، أو العار على أسس طبقية. لقد أغرى الجو الذي خلقه الإمام يحيى الإسلاميين الإقليميين من خلفياتٍ سُنيَّة وشيعيَّة لجعل اليمن المتوكلية مركزهم الديني الجديد.

كانت الثقافة مهمَّة أيضًا بعد إنشاء جمهوريتي الشمال والجنوب، عندما كان هناك اندفاعٌ نحو التحديث. أرادت النخب المحو وإعادة البناء، وبالتالي تدمير جوانب من المدن التاريخية، مثل أسوار وبوابات صنعاء، وسيئون، وإب، وتعز. في الشمال، أرادت الجمهورية التخلُّص من الجوانب التي تذكِّر الناس بالنظام الديني والطبقي القديم، من دون مراعاة كاملة لإرثها، وما لا ينتمي إلى النظام. في غضون ذلك، ارتبط التحديث في الجنوب بعمليات التأميم. غادر عديدٌ من المفكرين الذين كانوا روَّادًا في القطاع الثقافي، وخلقوا مجتمعات شتات في جميع أرجاء العالم. بالطبع، كان ظهور المؤسسات الدينية الإسلامية في الشمال مهمًّا أيضًا، إذ إنَّه غيَّر الحياة الاجتماعية والثقافية في المناطق الريفية، مما أدَّى إلى تغييرٍ هائلٍ في أدوار الجنسين والإنتاج الثقافي الشعبي.

وقد تأثَّر التعاطي مع الثقافة بشكلٍ كبيرٍ بالظروف الخارجية، مما خلق نوعًا من الانفصال بين الناس وممارساتهم الطبقية الثقافية والفنية/الفكرية. تتشكَّل الممارسات الثقافية الأكثر سطحية وشعبية في هيئة مقبولة عالميًّا أو إقليميًّا لإرضاء الأذواق الدولية، في حين يتم إهمال المصادر المحلية للإلهام، والمعارف المتراكمة التي منحت الفاعلين والفنانين الفكريين والثقافيين هيئتهم الفريدة. يؤدي هذا الانفصال إلى تدمير المشهد الثقافي، الذي يمتلكه في الغالب الفاعلون والفنَّانون السابق ذكرهم، كلما قرَّرت السلطة الحاكمة إعادة التفكير في الممارسات الثقافية ومحاولة تهميشها كشكلٍ من أشكال إعلان حقبة جديدة.

بدلًا من البحث عن اعترافٍ إقليمي ودولي، يجب على اليمنيين التركيز على مدى عمق ارتباطهم بالثقافات المحلية. يتعيَّن على صانعي الثقافة والفنانين فَهْم روح هذه الثقافة غير الملموسة، والتخلي عن محاولات جعل اليمن تبدو مرموقة أمام العالم من خلال توحيد المواد الثقافية. لسوء الحظ، يفهم الناس الثقافة بالمعنى الأجنبي للكلمة. بالإضافة إلى المعارض الفنية والمتاحف والعروض الموسيقية، فإن القيم الثقافية التي ورثناها عن أسلافنا تستحق الدراسة أيضًا، ليس لتقليدها، بل لفهم أسباب اتخاذهم تلك القرارات الثقافية، وما إذا كانت مناسبة لعصرنا. على سبيل المثال، فإن لدينا ممارساتٍ ثقافية بيئية محلية للحفاظ على الغابات شبه الاستوائية التي تتحلَّل، وهذه الممارسات هي شكلٌ من أشكال الثقافة التي لم يتم الحفاظ عليها جيدًا. هذا أيضًا شكلٌ من أشكال الثقافة.

كما زادت هذه الحرب الأمور سوءًا. تعمل الجماعات المسلحة على زيادة تطرُّف الثقافة المحلية من أجل الاعتراف المحلي، وتستدعي المظالم القديمة. في الوقت نفسه، تعتمد النخب على التحديث كقيمة غربية، وليس كعملية محلية وتعاونية. إنَّ النخب غير مرتبطة بالمجتمع. من الضروري أن نتعلَّم من العالم، لكن في الوقت نفسه يجب أن نفهم أنفسنا ومجتمعنا.

2- ما هي التحوُّلات الرئيسية التي أحدثتها الحرب؟ هل رأيت اللا مركزية (أو بمعنى آخر، التصدُّع) في المشهد الثقافي، كما حدث في جوانب أخرى من المجتمع اليمني؟

أدَّى تطرُّف الثقافة المحلية إلى تحوُّلٍ كبيرٍ. يستغل الناس التاريخ والثقافة كأدواتٍ، لذلك بدأ المثقفون يفهمون من أين ظهرت هذه المظالم. لم ندرس تاريخ اليمن في المدارس بشكلٍ صحيحٍ، لأسبابٍ سياسية. لذلك عندما أعدنا قراءة التاريخ اليمني، اكتشفنا جهلنا بثقافتنا المحلية، وأنَّ ما نراه اليوم حدث بسبب ذلك الماضي.

أما فيما يتعلَّق باللا مركزية، فالجواب هو نعم، ولا. نعم، بمفهومٍ ما، لكنني أعتقد أنَّ الفاعلين الثقافيين الآن أكثر تماسكًا من أي وقتٍ مضى لأنَّ مصيرهم المتبادل مشتركٌ. دومًا ما يحدث هذا في اليمن. كان اتحاد الكُتَّاب مثالًا مبكرًا للحرب الباردة. كان بمثابة رد فعلٍ فكري عابر للأيديولوجيات وعابر للجغرافيا، ولسياسات الحزب الواحد السلطوية. وهذا ما جعل حكومتي اليمن الشمالي والجنوبي قلقتين بشأن تصريحات الاتحاد والمؤتمرات أو الأحداث السياسية بين الشمال والجنوب. كان الاتحاد نشطًا مع أعضاء من كلا البلدين، وأسماء بارزة من كل الخلفيات الأيديولوجية. لكن بعد توحيد اليمن عام 1990، تقلَّص دور الاتحاد.

إن المشهد الثقافي اليوم لا تديره سلطات الأمر الواقع، بل إنها تراقبه فحسب، لذا فإن المشهد يوفِّر الحماية لأي كيانٍ يواجه العنف. ومع ذلك، فلا يوجد هيكلٌ واضحٌ للمستقبل. ما الذي نهدف إلى القيام به بما هو متوافرٌ لدينا؟ وكيف يمكننا استغلاله؟ وكيف سنعمل؟ هل كل شيء… تغيَّر فحسب؟ يجب أن نكون متحدين بصورة أكبر فيما يتعلَّق بجوانب معينة، مثل الاستمرارية، وكيفية إنتاج مزيدٍ من المبادرات التي تخلق وفرة في البنية التحتية الثقافية لحماية الثقافة من التلاشي. لقد حدث هذا كثيرًا في تاريخنا. إنَّ اللا مركزية مهمَّة كأداة حماية للثقافات والعاملين في مجال الثقافة.

3- ماذا عن الشتات؟ إلى جانب زيادة النشاط في الخارج، ما هي بعض الطرق الرئيسية التي أثَّر بها هروب عديد من المبدعين اليمنيين الطموحين على ديناميكيات الأمور في اليمن نفسه؟

لعب الشتات دورًا مهمًّا في تقديم اليمن إلى المشهد الثقافي العالمي، كما عكس ذلك المشهد إلى الجمهور المحلي بالداخل. ظلَّ اليمنيُّون فترة طويلة روَّادًا بهذا المعنى، خاصة عندما يتعلَّق الأمر بفنون السرد، مثل الرواية. لكن في السابق، كان اليمن يعيش في العصور الوسطى، وحتى الجنوب كان لديه فقط المستعمرة البريطانية، وثلاث سلطنات كانت أكثر حداثة. لذلك كان الهدف هو كسر السلسلة التاريخية التي تظل تعيد نفسها، والانضمام إلى القرن الحديث. لكن محاولات مجتمعات الشتات فشلت في كسر السلسلة تمامًا، مع الحفاظ على المعارف السابقة المتراكمة.

اليوم، يجب على مجتمعات الشتات التوقُّف بشكلٍ جمعي، والاعتراف بأنهم لا يعرفون ماذا يتعيَّن عليهم فعله. بعد ذلك، عليهم التعلُّم من دروس التاريخ السابقة. بعدها يمكننا تفعيل دورهم، بمسارٍ واضحٍ ومفيدٍ، بدلًا من الحملات التي لا تخرج أبدًا عن نطاق النخبة. على مجتمعات الشتات أن تسأل نفسها إذا توقفت الحرب، فما هي الضمانات  بأن المشهد الثقافي سوف يبقى على حاله؟ كيف نتأكد من أن السلطات لن تمنع الأعمال الإبداعية الثقافية كما فعلت مراتٍ عديدة، تحت كثيرٍ من المسميات؟ كيف يمكن للفن أن يصنع رأس المال، بدلًا من الحملات المؤقتة التي تموت في نهاية المطاف، أو تصبح من دون اعتماداتٍ مالية؟ هناك عديدٌ من الأسئلة التي تحتاج إلى إجاباتٍ.

4- إلى أي مدى تظلُّ المساحات الثقافية في اليمن تحت سيطرة النخبة؟ هل بُذلت جهودٌ كثيرة لتغيير هذا؟

إنَّ المساحات الثقافية الآن أقل نخبوية من أي وقتٍ مضى. يمارس عددٌ أكبر من الناس الثقافة والفن، أكثر مما كان عليه الحال في تسعينيات القرن الماضي. سمعتُ عن مشاركات نسائية فاعلة، وهذا مجالٌ واعدٌ بالنسبة إلى المرأة. إن معظم المتقدمين إلى الدعوات المفتوحة لمؤسسة البيسمنت الثقافية (Basement) هم من النساء، وقد بدأ ذلك في منتصف العقد الماضي. في ثمانينيات القرن الماضي، كنَّا نسمع عن شاعرٍ أو شاعرتين هنا، وفنان واحد أو فنانات هناك، وكانوا معدودين بالمعنى الحرفي للكلمة. ومع ذلك، فإن هذه الوجوه غير النخبوية أصبحت نخبوية بمرور الوقت، وتجعلهم الرغبة في الحصول على الاعتراف الدولي أقل ارتباطًا بالمجتمعات المحلية.

إن الافتقار إلى الممارسات الثقافية التقليدية والتنمية، يمثِّل إشكالية هنا. فهو يُظهر اليمن كمتحفٍ حي مفتوح للبؤس والثقافة الغابرة ، كما أنَّ عمليات التحديث غير واضحة. أعتقد أنَّ هناك انفصالًا بين الغرض من التقاليد، والشكل السطحي (الخارجي) للممارسات التقليدية. يأخذ الناس بهذه الأخيرة لأنه من الممكن تطويرها، من دون مسؤولية فهم الأغراض التاريخية لهذه الممارسات، في حين أن الغرض الأساسي منها لا يزال غير مُستكشفٍ. يجب أن يتحلَّى المثقفون بالحساسية عندما يتعاملون مع الثقافات المحلية.

5- ما هي بعض الطرق الرئيسية التي يمكن أن تساعد من خلالها الجهات الفاعلة المختلفة داخل اليمن وخارجه على دعم المجتمع الثقافي في اليمن؟ وما هي أكثر الاحتياجات إلحاحًا؟   

يمكنهم إجراء محادثات جادة حول الثقافة والفنون بين جميع الفاعلين في الداخل وفي مجتمعات الشتات، لفهم ما يجب تحديده كأولوية، وكيفية إلحاقه بالأنشطة. كما يجب أن يكون هناك اعترافٌ بأخطاء الحقب السابقة، للوصول إلى توصياتٍ وسياساتٍ ثقافية أفضل. سيحتاجون إلى إشراك الثقافات المحلية في المشهد الثقافي من خلال تعزيز فهمهم لأساليب الحفظ والتحليل والتنمية. وأخيرًا، عليهم محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الثقافة، وهي إما جرائم ملموسة مثل قصف القلاع التاريخية، وإما ملموسة بدرجة أقل مثل منع الممارسات الثقافية والدينية المحلية.


عزيز مرفق هو مسؤول المراقبة والتقييم في مؤسسة البيسمنت الثقافية. البيسمنت هي مؤسسة ثقافية مستقلة غير هادفة للربح. تهدف إلى تعزيز مبادئ حقوق الإنسان من خلال الفن، عن طريق توفير مساحات مجانية وآمنة للشباب، للتواصل، وبناء القدرات، ومشاركة العروض الثقافية والفنية. في عام 2015، بدأت مؤسسة بيسمنت بالتركيز على تعزيز السلام والتعايش عن طريق الفن، إيمانًا منها بدور الفن الحاسم في التخفيف من حدة الصراع.

آدم بارون كاتب ومحلل سياسي وعضو مجلس إدارة المركز اليمني للسياسات. كان يقيم في اليمن من 2011 إلى 2014.

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكتاب ولا تعكس بالضرورة آراء ووجهات نظر المركز اليمني للسياسات أو الجهات المانحة له.

التحرير:
جاتندر بادا
الترجمة:
إيناس التركي
الصورة:
فعالية في مؤسسة البيسمنت الثقافية، 2016. تصوير: رحمان طه

النشرة البريدية للمركز اليمني للسياسات
تابعنا على شبكات التواصل الإجتماعي