هانا بورتر

حرب الحوثيين الناعمة على دعاية العدو


ديسمبر 2021

شهدت السنوات الأخيرة طفرة في عدد المواقع الحزبية، والقنوات التلفزيونية، وصفحات التواصل الاجتماعي التي تغطي الصراع في اليمن. يبدو أن الحوثيين على وجه الخصوص يمنحون الأولوية للاستثمارات الإعلامية كوسيلة لتعزيز أيديولوجيتهم ومواجهة الرسائل المعارضة. وكما تقول هانا بورتر، فإن عددًا من الأنشطة البحثية التي أجريت في العامين الماضيين، قد تشير إلى أن هذه الاستثمارات قد آتت أكلها، حيث أعرب العديد من اليمنيين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون عن ثقتهم في وسائل إعلام الجماعة والمتحدثين باسمها.

لا تتطلب الحرب دائمًا حمل السلاح بالنسبة للحوثيين وحلفائهم. في الواقع، تعتبر الجماعة أن الدعاية هي من أكثر الوسائل فعالية لمواجهة الأعداء، ومن أخطر الأسلحة التي ينشرها خصومهم ضدهم. لقد سلطت وسائل الإعلام التابعة للحوثيين الضوء -على مدى سنوات- على الدور المهم للإعلام في الحرب الحديثة وفكرت ملياً في أفضل السبل لحجب اليمنيين عن دعاية العدو.

وللحفاظ على ميزة تنافسية في الرسائل العامة والسرديات الإعلامية – الحرب الناعمة كما يسمونها غالباً- يستثمر الحوثيون في مجموعة متنوعة من الوسائل الإخبارية والإنتاجات الفنية التي يروج بعضها لمعلومات مضللة عن خصومهم وعن الصراع المستمر. إذ تركز الأفلام الوثائقية، والمقالات، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والرسوم الكاريكاتورية، التي تم نشرها على المنصات الموالية للحوثيين على مدار السنوات السبع الماضية، على انشغالهم بتوجيه السرديات الإعلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

منذ أوائل عام 2020، أجرى شركاء “دي تي غلوبال” أبحاثًا في جميع أنحاء اليمن لفهم العلاقة بين اليمنيين وبيئتهم الإعلامية المحلية بشكل أفضل. سعت الأنشطة البحثية النوعية والكمية بما في ذلك الاستطلاعات الواسعة ومقابلات مع مقدمي المعلومات الرئيسيين ومناقشات المجموعات المركزة إلى الإجابة عن أسئلة حول وصول اليمنيين إلى الأخبار والمعلومات بالإضافة إلى المنصات والوسائل التي يثقون بها أكثر من غيرها. تتمثل إحدى النتائج الرئيسية لهذا البحث في أن آراء اليمنيين الذين يعيشون في المحافظات الشمالية (أي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين) تميل إلى التوافق مع السرديات الحوثية – وهو مؤشر محتمل على أن ممارساتهم الإعلامية فعالة في تشكيل الرأي العام.

استراتيجيات وسائل الإعلام الحوثية

قبل أن يصبح الحوثيون موضوع تغطية إخبارية إقليمية أو دولية بوقت طويل، كانت الجماعة تعمل على الترويج لرسائلها وجذب التابعين. خلال حروب صعدة التي تمت في الأعوام من 2004 إلى 2010 بين الحوثيين والحكومة اليمنية تم إنشاء حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع موالية للحوثيين للتأثير على الرواية الشائعة حول الصراع الدائر حينها. لقد تعاظمت القدرات الإعلامية للحوثيين بشكل كبير منذ استيلائهم على صنعاء في 2014-2015، حيث تتباهى الجماعة الآن بعشرات المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية وعدد لا يحصى من صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التي تروج لسرديات الحوثيين حول السياسة الوطنية والشؤون الدولية.

على الرغم من أجهزتهم الإعلامية المثيرة للإعجاب، فإن الحوثيين لا يزالون يواجهون بعض التحديات عند مواجهة السرديات الخارجية. على الرغم من أن الجماعة بذلت جهودًا كبيرة لإسكات نقادها – بما في ذلك إغلاق أو الاستيلاء على وسائل الأخبار المحلية والاعتقال التعسفي للصحفيين – فإن الحوثيين لديهم سيطرة محدودة على بعض المنصات، مثل القنوات الإخبارية الفضائية الأجنبية ووسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة. وهذا يعني أن الحوثيين بحاجة إلى الاعتماد على ما هو أكثر من الرقابة للسيطرة على السرديات عن الأحداث المحلية والدولية.

تتميز الإنتاجات الإعلامية الحوثية بمحتوى متنوع وترفيهي ومقنع. وتتضمن قناة المسيرة إحدى قنواتهم الإخبارية الرئيسية برامج نسائية وبرامج أطفال وأفلام وثائقية، بينما تبث الإذاعة الدراما القصيرة و”الأوبريتات“. يظهر الشعر بشكل كبير في معظم منصات وسائل الإعلام الحوثية، حيث غالبًا ما يتم عمل مونتاج للزوامل (يشار إليها أحيانًا باسم قصائد الحرب) في مقاطع فيديو موسيقية. ولعل استراتيجيتهم تتلخص في تزويد الجماهير في شمال اليمن بمجموعة متنوعة من المحتوى بحيث لا يحتاجون إلى النظر إلى ما هو أبعد من وسائل الإعلام الحوثية.

هل أسلوبهم ناجع؟

هناك بعض المؤشرات على أن أسلوب الحوثيين في الرسائل والدعاية قد أثبت فعاليته. تظهر الأبحاث التي أجراها شركاء “دي تي غلوبال” في العامين الماضيين أن اليمنيين الذين يقطنون في الشمال لديهم درجة عالية من الثقة في منافذ الأخبار الحوثية وأنهم من المرجح أكثر ميلاً من نظرائهم الجنوبيين لاعتبار تصريحات المسؤولين الحوثيين على أنها موثوقة، حتى عندما تكون هذه التصريحات كاذبة بشكل واضح.

في استطلاع شمل 700 شخص أُجري في يوليو 2021، قال 83 بالمائة من المستجيبين في المحافظات الجنوبية أبين وعدن وحضرموت إن قناة المسيرة هي إحدى القنوات الإخبارية اليمنية التي من المرجح أنها تنشر أخبارًا كاذبة. ومع ذلك، في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في صنعاء “أمانة العاصمة والمحافظة” علاوة على محافظة الحديدة” كان لـ 17 بالمائة فقط من المستجيبين هذا الرأي. بعبارة أخرى، أفادت الغالبية العظمى من المستجيبين في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون أنه من غير المحتمل أن تنشر قناة المسيرة أخبارًا كاذبة.

في استطلاع أُجري في أغسطس 2020 أفاد 26 بالمائة فقط من المستجيبين الذين يعيشون في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة أن المعلومات المقدمة من المسؤولين المحليين موثوقة، في حين أفاد 79 بالمائة من الأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون (المعنية بهذا الاستطلاع الحديدة وإب) أنهم يثقون بالمسؤولين المحليين. تم سؤال المستجيبين في هذا الاستطلاع أيضًا عما إذا كانوا يعتقدون أن التغطية الإخبارية المحلية لـوباء كوفيد-19 كانت موثوقة. وعلى الرغم من حقيقة أن سلطات الحوثيين ووسائل الإعلام قاما بتضليل العامة بشأن فيروس كورونا (خاصة خلال هذه الفترة)، فإن 84 بالمائة من المشاركين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثي يعتقدون أن هذه المعلومات موثوقة، في حين أن 43 بالمائة فقط من المستجيبين في الجنوب يعتقدون بالأمر عينه بالنسبة للحكومة.

من المؤكد أنه يمكن تقديم حجة مفادها أن المستجيبين الذين يعيشون في ظل حكم الحوثيين قد يشعرون بأنهم ملزمون بالإفادة عن آراء إيجابية تجاه المسؤولين المحليين والوسائل الإعلامية التابعة لهم، ولكن في الجولات المتعددة من الاستطلاعات والمقابلات مع مقدمي المعلومات الرئيسيين ومناقشات المجموعات المركزة في ثلاث محافظات يسيطر عليها الحوثيون أُنتجت نفس النتائج: المستجيبون الذين يعيشون في  المحافظات الشمالية الواقعة تحت سيطرة الحوثي، غالباً ما يفيدون بأنهم يتفقون مع الروايات الحوثية، وهو مؤشر محتمل على أن أساليبهم الإعلامية فعالة في تشكيل الرأي العام.

على سبيل المثال، في إحدى جولات مناقشات المجموعة المركزة طُلب من المشاركين تقييم قصة إخبارية وتحديد ما إذا كانت حقيقية. القصة الإخبارية المعنية كانت تقريرًا تم بثه في يوليو 2020 على وسائل إعلام حوثية، يزعم التقرير أن صواريخاً تحمل شعار الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تم بيعها للسعودية قد تم الكشف عنها في البيضاء، مما يثبت أن منظمات التنمية الغربية هي واجهة للتدخل العسكري. كانت القصة مزيفة بشكل واضح: ليس فقط لأن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ليست مسؤولة عن مبيعات الأسلحة ولكن أيضًا لأن الشعار الملصق على الصواريخ لم تستخدمه الوكالة منذ أكثر من 30 عامًا. صدق معظم المشاركون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون – مستشهدين بمقطع الفيديو المقنع والطبيعة الرسمية للتقرير الإخباري – بينما ولم يصدقها أغلب المشاركين في أماكن أخرى.

كيف يتم التعاطي مع المعلومات المضللة في اليمن؟

مثل العديد من الأحزاب السياسية في اليمن وفي جميع أنحاء العالم، استخدم الحوثيون الإعلام كأداة للترويج لمصالحهم الخاصة والتأثير على الرأي العام. وشملت مقاربتهم المختلطة الاستثمار في وسائل الإعلام الحزبية وقمع الصحافة المستقلة. وكان لسيطرتهم على وسائل الإعلام المحلية ولا يزال تأثير على وصول اليمنيين إلى المعلومات ووجهات نظرهم حول الأحداث الجارية.

ويتعين على المنظمات والحكومات التي تأمل في عكس هذا الاتجاه، أن تعمل على دعم الصحفيين المستقلين في اليمن. قد يأتي هذا الدعم في شكل منح، ولكن يمكن أن يشمل أيضًا التدريبات الإعلامية والمؤتمرات. وينبغي إيلاء اهتمام خاص للصحفيين من الفئات والمناطق المهمشة، حيث قد يكون لديهم وجهات نظر ورؤى لم يتم الحديث عنها.

سيكون للمشاريع الإعلامية الممولة من المانحين تأثير محدود وجمهور محدود إذا كانت تستهدف بشكل حصري المعلومات المضللة للحوثيين، حيث سيتم رفض هذه المشاريع بسرعة باعتبارها دعاية موالية للغرب أو موالية للسعودية. عوضاً عن ذلك، يجب على المؤسسات الإعلامية تحديد المعلومات المضللة والرسائل الضارة ومكافحتها أينما وجدت – سواء جاءت من وسائل إعلام الحوثيين أو من تلك التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا أو من الإصلاح أو المجلس الانتقالي الجنوبي أو غيرها-.

وينبغي على المانحين تقديم المزيد من الدعم لضمان توفر مصادر إخبارية متنوعة وموثوقة لجميع اليمنيين. وهذا يعني معالجة الافتقار إلى الكهرباء في بعض المناطق، فضلاً عن عدم توفر خدمات الإنترنت، والذي يُعزى أحيانًا إلى التكلفة الباهظة لباقات الإنترنت. في استطلاع أُجري في عام 2020، أفاد 86 بالمائة من اليمنيين أن غياب الكهرباء أثر على قدرتهم على الوصول إلى الأخبار، وقال 89 بالمائة إن قصور تغطية الإنترنت كان له نفس التأثير.

يتعين على المجتمع الدولي ولا سيما منظمات حقوق الإنسان تسمية جميع أطراف النزاع التي ترتكب انتهاكات ضد الصحفيين مثل التهديدات والاعتقالات التعسفية والإدانات الجائرة وأحكام الإعدام والاغتيالات. تعيق هذه الأعمال بشدة قدرة الصحفيين اليمنيين المتمكنين والملتزمين بأداء عملهم وتزويد الجمهور بالمعلومات الحساسة والمهمة حول مجتمعاتهم والصراع.

تعمل هانا بورتر كمحللة في شركة التنمية الدولية “دي تي غلوبال” حيث تقوم بإجراء أبحاث حول البيئة الإعلامية اليمنية وتساهم في مشاريع تدعم الصحفيين اليمنيين المستقلين. هانا حاصلة على درجة الماجستير من جامعة شيكاغو وقد كتبت أطروحتها حول الخطاب والدعاية الحوثية.

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكتاب ولا تعكس بالضرورة آراء ووجهات نظر المركز اليمني للسياسات أو الجهات المانحة له.

المانح:
وزارة خارجية ألمانيا الاتحادية
التحرير:
جاتيندر بادا
الترجمة:
فاطمة صالح (العربية)
تصوير:
Stock photo

النشرة البريدية للمركز اليمني للسياسات
تابعنا على شبكات التواصل الإجتماعي