هديل الموفق

المشاركة الحقيقية للمجتمع المدني يمكن أن تعيد الثقة في عملية السلام


يناير 2022

تواجه عملية السلام في اليمن تحديات كبرى ليس أقلها التصعيد الحاد للقتال في أجزاء مختلفة من البلاد. فقد فشلت المفاوضات لإنهاء الصراع المسلح الذي بدأ في عام 2014 بانقلاب الحوثيين الذي أطاح بالرئيس عبد ربه منصور هادي في تحقيق وقف دائم لإطلاق النار. وعوضاً عن ذلك، فإن البلد محاصر في وضع يتأرجح بين التصعيد العسكري والحرب الاقتصادية؛ مع ما يترتب على ذلك من عواقب اقتصادية وإنسانية كبيرة بالنسبة للمدنيين العالقين بين الأطراف المتحاربة.

منذ بداية عام 2020 دعا المبعوث الأممي السابق للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث إلى وقف إطلاق نار على مستوى البلاد من شأنه أن يمهد الطريق لجولة جديدة من المحادثات السياسية.1 تعثرت العملية في الغالب بسبب هجوم الحوثيين المستمر للسيطرة على محافظة مأرب الغنية بالنفط التي أصبحت مأوى لثلاثة ملايين شخص بينهم مليون نازح يمني2. وقد تجددت آمال جديدة بإستئناف محادثات السلام بعد تعيين المبعوث الخاص للولايات المتحدة تيم ليندركينغ في فبراير 2021 والذي تلاه تعيين مبعوث أممي جديد هانز غروندبرغ في أغسطس من ذلك العام.3

بالرغم من ذلك، تواصلت المعارك العسكرية وتصاعدت مطلع العام الجاري. وبينما واصل الحوثيون هجماتهم البرية في مأرب، كثف التحالف بقيادة السعودية والإمارات حملتهما الجوية ضد المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، بينما يقومون بشن غارات متزايدة على المدنيين والأهداف المدنية في جميع أنحاء البلاد، إذ أتت هذه الغارات الأخيرة رداً على الهجمات الصاروخية التي شنها الحوثيون على العاصمة الإماراتية في وقت سابق من هذا العام. وقد كان لهذا التصعيد في القتال البري والجوي تأثير مدمر على السكان المدنيين مع ورود تقارير عن تزايد أعداد الضحايا في صفوف المدنيين بسبب هجمات التحالف والحوثيين بشكل شبه يومي، فضلاً عن الوضع الاقتصادي والإنساني المترديّ بشكل متزايد في جميع أنحاء البلاد.4 إن صورة الصراع المتصاعد هذه تزيد من تعقيد احتمالات السلام الذي تشتد الحاجة إليه اليوم.

يكشف هذا البحث الذي يستند إلى 95 مقابلة مع جهات فاعلة في المجتمع المدني اليمني من جميع أنحاء البلاد عن عملية سلام متعثرة بالفعل. ويقدم تقييماً كاملاً ليس فقط لآفاق تحقيق وقف دائم لإطلاق النار ولكن أيضاً لفعالية الجهود الدبلوماسية -حتى الآن- كما يراها المجتمع المدني اليمني. تشي بعض النتائج الرئيسية إلى وجود شعور عام بالإحباط وعدم الثقة بعملية السلام في أوساط المجتمع المدني، لا سيما مع نهج مكتب المبعوث والمجتمع الدولي بشكل عام. كما يكشف البحث عن تباين في وجهات النظر بين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني ومكتب المبعوث فيما يتعلق بنهج الأخير إزاء وقف إطلاق النار والذي يخلو من مكون المراقبة، ويتعزز هذا التباين بفعل انعدام الشفافية والوضوح تجاه عملية وقف إطلاق النار. يسلط البحث الضوء أيضًا على نقص عام في قنوات الاتصال بين المجتمع المدني ومكتب المبعوث، حيث يعقد الأخير اجتماعات مع ممثلين محدودين. وللمضي قدمًا، تجادل الكاتبة بضرورة تمكين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني اليمني وتزويدها بالأدوات المناسبة ليكونوا مشاركين نشطين ومحركين للسلام.

تصورات المجتمع المدني لعملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة

هناك استياء عام من عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة تشعر به مجموعات المجتمع المدني التي تمت مقابلتها. فبالنسبة لغالبية المستجيبين فإن عملية السلام موجودة فقط على الورق، حيث انهارت المحادثات في الواقع ولا يوجد تنسيق ولا قنوات اتصال بين مختلف الجهات الفاعلة. والأسوأ من ذلك، فقد أكد المستجيبون أن القتال ما فتئ يشتد، خاصة وأن الحوثيين شنوا حملة عسكرية للسيطرة على الجوف ومأرب في أوائل عام 2020 بعد بضعة أشهر من تداول محادثات في الأمم المتحدة حول وقف إطلاق نار شامل.5 في غضون ذلك، تدهور الوضع الاقتصادي والإنساني بمعدل غير مسبوق في البلاد تزامن مع اندلاع أعمال شغب متعددة بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وتفشي الفساد الحكومي في مدن كعدن والمكلا وتعز.6

وبالتالي، على الرغم من أن بعض المستجيبين يعتبرون عملية السلام أفضل طريقة للخروج من هذه الأزمة فإنهم يزعمون أنها ستستمر في الفشل إذا استمرت بدون إجراء تغييرات جدية. وقد كان السبب الأكثر ذكراً لفشلها الحالي هو عدم وجود ضغط من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بشكل عام على جميع أطراف النزاع للوفاء بالتزاماتهم والاتفاقيات التي وقعوا عليها. فمن بين الذين تمت مقابلتهم، أظهر 40 منهم قلقًا عميقًا بشأن التدخل غير المنضبط للجهات الفاعلة الإقليمية الذي أدى إلى إطالة أمد الصراع، إذ أوضح أحد الأشخاص الذين تمت مقابلتهم بأنه “تجري المفاوضات بين طرفي الصراع اللذان أصبحا أدوات في يد القوى الإقليمية، من ثم فإن قرار إنهاء الحرب وتحقيق السلام ليس بيد الأطراف اليمنية بل هو بيد رعاتها الإقليميين “. وأشار آخرون إلى عدم وجود إرادة من الجهات اليمنية نفسها للتوصل إلى اتفاق، حيث خلقت الحرب بيئة مربحة للتكسب من الحرب. واستشهد الكثير باتفاق ستوكهولم7 حيث استمر الحوثيون في انتهاك وقف إطلاق النار في الحديدة دون أي عواقب من الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي. في الواقع، وبسبب الطريقة التي تعاملت بها الأمم المتحدة مع تلك المفاوضات، فقد أشار العديد من المشاركين “20 في المائة” إلى أن الناس ينظرون لها الآن بوصفها منحازة للحوثيين بدلاً من بقائها وسيطًا محايدًا. كان هذا التصور هو السائد بشكل أكبر بين الجهات الفاعلة للمجتمع المدني في مأرب، ربما لأن الأمم المتحدة لم تكن قادرة على التوسط في وقف إطلاق نار من شأنه أن يوقف هجمات الحوثيين المستمرة على المدينة؛ والتي يعتقد الكثيرون أنه كان سيتحقق لو مارست الأمم المتحدة ضغوطًا كافية على الحوثيين.

بغض النظر عن مدى صحة هذه الافتراضات، فإن انتشار هذه الآراء بين الأشخاص الذين تمت مقابلتهم يوحي بأن عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة فشلت في الحصول على دعم من أصحاب المصلحة الرئيسيين؛ وأحد الأسباب الأساسية لذلك هو انخفاض مستوى انخراط المجتمع المدني في عملية السلام سواء من حيث توفر المعلومات حولها أو فرص التشاور. ذكر العديد ممن أجريت معهم مقابلات أن عملية السلام فشلت في تلبية الحد الأدنى من معايير الشفافية، حيث لا يتم اطلاعهم على ما يجري في المسارات العليا لعملية السلام. حتى القلة القليلة التي شاركت في العملية على مستوى رفيع؛ مثل المشاركة في اجتماعات المجتمع المدني مع مكتب المبعوث فإنهم لم يكونوا بالضرورة على دراية بكيفية ترجمة مشاركتهم في جهود الوساطة الأممية. وبالتالي فإن ضعف المشاركة هذا قد حد من مصادر معلومات المجتمع المدني حول عملية السلام إلى ما يسمعونه ويقرؤونه من وسائل الإعلام المحلية والدولية والتي غالبًا لا تقدم تقارير دقيقة أو كاملة عن العملية. وهذا أمر مثير للقلق بشكل خاص نظرًا لزيادة حملات التضليل والدعاية التي يتم تداولها من قبل جميع أطراف النزاع ومؤيديهم والذين قد يسعون إلى تعطيل العملية أو التأثير على تصور الناس بشأنها لصالحهم.

في الواقع، يعد استبعاد المجتمع المدني سببًا رئيسيًا لشعور المستجيبين بأن العملية التي تقودها الأمم المتحدة لم تكلل بالنجاح، فمن وجهة نظرهم كان ينبغي أن تشارك الجهات الفاعلة في المجتمع المدني بشكل مباشر في عملية الوساطة منذ البداية حتى يتمكنوا من تقديم صورة أكثر دقة لما يريده ويحتاجه الناس على الأرض. فغالبًا ما يستشهد بمشاركتهم كوسيلة لضمان أن يكون الحوار المستقبلي أكثر تمثيلاً لمصالح الشعب اليمني؛ وخاصة بالنظر إلى ميل النخب السياسية للهيمنة على المفاوضات. في الوقت الحالي، تعتقد الأغلبية أن النخب السياسية وعلى وجه الخصوص الحوثيين، تنخرط ببساطة في مفاوضات السلام لإطالة أمد مصالحها الخاصة بدلاً من تحقيق سلام مستدام؛ الأمر الذي يلقي بظلال من الشك على عملية السلام. في الحقيقة فقد أشار عدد من المستجيبين إلى أن ضعف مشاركة منظمات المجتمع المدني على المستوى الشعبي يعكس قضايا أشمل تتعلق بتعاطي الأمم المتحدة مع الأزمة اليمنية، إذ غالبًا ما تفضل الأمم المتحدة النخب السياسية على الجهات الفاعلة في المجتمع المدني التي تتعهد بالاستقرار وبناء السلام على المدى الطويل.

ووفقًا للعديد من المستجيبين فإن الخلل في عملية السلام يتجلى أيضاً في عدم وجود نهج شامل للتعاطي مع الأسباب الجذرية للصراع، بما في ذلك أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة عند النظر إلى الأزمات الاقتصادية والإنسانية الحالية التي تمر بها البلاد، والتي يرى الكثيرون أنها تدفع المزيد من الناس وخاصة الشباب والعاطلين عن العمل للانضمام إلى جبهات القتال. يعتقد العديد من المستجيبين أنه لا توجد رؤية واضحة للسلام في البلاد وأن الأولوية الوحيدة للمجتمع الدولي هي إنهاء الصراع في أقرب وقت ممكن. غير أنهم يشيرون إلى أن هذه الجهود قصيرة النظر سمحت للأزمات الاقتصادية والإنسانية بالتدهور أكثر على مر السنين. على وجه التحديد، يؤكد العديد من المستجيبين أن نهج الأمم المتحدة يتمثل في منح الأولوية للمسائل السياسية والعسكرية الأمر الذي أدى إلى إيلاء القليل من الاهتمام للقضايا المهمة الأخرى مثل حل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بسرعة. كما أنهم غير راضين عن التركيز المفرط على التدخلات قصيرة الأمد مثل تقديم المعونات وإعطائها الأولوية على حساب بناء القدرات الاقتصادية والمؤسسية لليمن والتي يمكن أن تساعد على إرساء أسس متينة لبناء السلام والاستقرار على المدى الطويل. وهذا الافتقار إلى رؤية واستراتيجية واضحتين للسلام يفضي لما يعتقد المستجيبون أنه فشل للعملية التي تقودها الأمم المتحدة في الاعتراف بشكل كاف وفي الانخراط مع الجهات الفاعلة على المستوى المحلي بما في ذلك المجتمع المدني الذي يعتبر فاعلاً جوهرياً في توضيح السياقات المختلفة للصراع والاحتياجات المحلية.

يعكس الارتباك حول مراقبة وقف إطلاق النار الحاجة إلى المزيد من إشراك المجتمع المدني

لعله ليس من المفاجئ أن تكون إحدى أكثر المسائل الخلافية التي نشأت عن هذا البحث تتعلق بتدابير مراقبة وقف إطلاق النار ضمن عملية السلام. إذ بموجب التدابير الحالية قررت الأمم المتحدة عدم إدراج عناصر مراقبة وقف إطلاق النار في عملية وقف إطلاق النار المخطط لها، حيث تعتقد أن هذا من الممكن أن يعيق تدابير بناء الثقة التي تعتبر حاسمة لنجاح مفاوضات السلام. بالإضافة إلى ذلك، أدى الافتقار إلى النفوذ الذي تتمتع به الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على الحوثيين إلى إثنائهم عن الاضطلاع بدور رقابي أكثر قوة. ومع ذلك، لم يكن لهذا صدى جيد لدى العديد من المستجيبين، الذين علموا عن خطة مكتب المبعوث لعدم إدراج مراقبة وقف إطلاق النار فقط أثناء إجراء هذا البحث. وبدلاً من ذلك، فقد شددوا على أنه في حين أن تنفيذ تدابير بناء الثقة قد يكون مهمًا من الناحية النظرية فإنه عند تطبيق مثل هذه المساعي دون وجود آليات مراقبة قوية فإنها سوف تفتقر إلى المصداقية وبالتالي لن تنجح. وقد كانت المخاوف بشأن امتثال الحوثيين لوقف إطلاق النار سائدة حيث ذكر بعض المستجيبين على وجه التحديد أن الحوثيين لديهم سجل طويل من التراجع عن التزاماتهم، والتي يقولون إنها مكنتهم من تعزيز سيطرتهم على البلاد.

ومع ذلك، لم تكن توصيات المستجيبين بشأن مراقبة وقف إطلاق النار واقعية دائمًا أو مدروسة على نحو جيد. وبينما جادل البعض بضرورة نشر مراقبين دوليين على طول خطوط التماس؛ اقترح قلة نشر قوة عسكرية دولية لإجبار الأطراف على الامتثال. وغني عن القول، إن فكرة الانتشار العسكري الدولي في اليمن ليست واقعية لا سيما بالنظر إلى التدخل الإقليمي المكثف بالفعل في البلاد والذي كان مصدر زعزعة كبيرة للاستقرار. ناهيك عن عدم رغبة المجتمع الدولي في مزيد من المشاركة العسكرية في اليمن. وأكد آخرون أن المجتمع المدني يجب أن يشارك في عملية المراقبة، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانوا على دراية كاملة بما سيترتب على ذلك، فعلى عكس رصد حقوق الإنسان فإن مشاركة المجتمع المدني في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار ستستلزم تواجدهم في خطوط التماس لمراقبة التزام الأطراف بشروط اتفاق وقف إطلاق النار والإبلاغ عن الانتهاكات. ومن الواضح أن هذه مهمة خطيرة لأنها قد تعرض الجهات الفاعلة في المجتمع المدني لمزيد من الهجمات من الأطراف المتحاربة. بالإضافة إلى ذلك، سيتطلب هذا الدور معرفة عسكرية فنية معينة، وهي ليست بالمجال الذي يتم تدريب معظم منظمات حقوق الإنسان أو المجتمع المدني فيه. وبالتالي، فإن مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار ستكون مهمة كبرى تتجاوز الممارسة التقليدية لرصد المجتمع المدني في اليمن التي اقتصرت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.

غير أن الجهات الفاعلة في المجتمع المدني كما ورد في بحث سابق للمركز اليمني للسياسات8، في وضع يسمح لها برصد تأثير انتهاكات وقف إطلاق النار والصراع على السكان المدنيين. فهذا هو المجال الذي يمكنهم فيه لعب دور حاسم في التأكد من امتثال الأطراف لالتزاماتهم بموجب القانون الدولي الإنساني. إذ بمجرد إنشاء هياكل المراقبة المستقلة سيكون بمقدور الجهات الفاعلة في المجتمع المدني نقل احتياجات ومخاوف حماية المدنيين للهيئات الدولية ذات الصلة بما في ذلك مكتب المبعوث الأممي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وما شابهها. والغرض من ذلك هو زيادة الضغط الدولي على أطراف النزاع لجعلها تفيّ بالتزاماتها؛ لا سيما عندما يتعلق الأمر باحترام سلامة المدنيين وأمنهم. يمكن للجهات الفاعلة في المجتمع المدني أيضاً استخدام مخرجات عمل هياكل المراقبة لبناء ضغط داخلي على الجهات الفاعلة محلياً في الصراع من خلال كشف انتهاكاتها وتجاوزاتها للمجتمعات المحلية. أحد الاعتبارات الرئيسية هو أن جميع الأطراف تهتم بصورتها العامة إلى حد ما؛ فبينما يعمل الضغط الدولي بشكل أكبر على حكومة هادي والتحالف نظراً لوضعهما القانوني واعتمادهما على الدعم الدولي، فإن الضغط المحلي يعمل بشكل أكبر على الحوثيين الذين تعتبر قدرتهم على اجتذاب الدعم من السكان المحليين أمراً جوهرياً في الحفاظ على سلطتهم.

مجتمع مدني غير مطلع ومنفصل

إن أحد الشروط المسبقة لمشاركة المجتمع المدني الناجحة في عملية السلام بما في ذلك عملية وقف إطلاق النار في المستقبل، هو قدرتهم على الوصول إلى المعلومات. قد تكون هذه معلومات حول التطورات الرئيسية في عملية السلام كمساعي الأمم المتحدة للتوسط في وقف إطلاق نار شامل بين الأطراف المتحاربة، وآليات مشاركة المجتمع المدني في هذه العملية. ومع ذلك فإن المقابلات مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني تظهر أن أكثر من نصفهم غير مطلعين تمامًا على مبادرات السلام المستقبلية أو على دورهم المحتمل في العملية. ولكن حتى أولئك الذين ينشطون على مستوى المسار الثاني أو الذين قد شاركوا في المشاورات مع مكتب المبعوث تبين أنهم على دراية ضعيفة بأعمال مكتب المبعوث وخططهم المستقبلية. ففي يوليو 2020 قامت مبادرة مسار السلام، وهي منظمة يمنية غير ربحية تدير مشاورات المسار الثاني من عملية السلام، بنشر مسودة مقترحات وقف إطلاق النار الخاصة بمكتب المبعوث والحوثيين إلى جانب الإعلان المشترك الذي يجمع كلا المقترحين جنبًا إلى جنب مع مجموعة من تدابير بناء الثقة.  وصرحت المبادرة على موقعها الإلكتروني أن “مكتب المبعوث لم يعقد مشاورات حول مسودة الإعلان المشترك ولم يشاركها رسميًا مع كيانات المجتمع المدني بما في ذلك النساء والشباب”. تم تأكيد هذا التصريح بشكل أكبر من قبل جهات فاعلة أخرى في المجتمع المدني تمت مقابلتها ضمن هذا البحث، مما يدل على أنه لم يتغير إلا القليل في نهج مكتب المبعوث منذ ذلك الحين. إحداهن عضوة في المجموعة النسوية اليمنية الاستشارية المختصة (تاج)، التي تم تشكيلها في عام 2018 من قبل مكتب المبعوث للمشاركة في مشاورات المسار الثاني، والتي شعرت بالإحباط عندما علمت أثناء إجراء البحث أن مكتب المبعوث قد قرر عدم تضمين مكون مراقبة لوقف إطلاق النار القادم وأن هذا تم دون مشاورة الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في المسار الثاني أو إعلامها بهذا التطور. ولكي نكون منصفين فقد تم تعيين غروندبرغ مؤخراً كمبعوث خاص للأمم المتحدة إلى اليمن في سبتمبر 2021، وبالتالي من السابق لأوانه الحكم على أدائه وما إذا كان سيفي بتوقعات المجتمع المدني أم لا.

هناك عدة أسباب لضعف تدفق المعلومات بين مكتب المبعوث والجهات الفاعلة في المجتمع المدني، أحدها هو تركيز الأمم المتحدة المستمر على النهج التقليدي من أعلى إلى أسفل؛ عوضاً عن الانخراط مع مجموعات المجتمع المدني المحلية لبناء حس بالملكية لعملية السلام. حتى في تنفيذ مبادرات المسار الثاني أعربت الجهات الفاعلة في المجتمع المدني باستمرار عن شعورها بالإحباط من أن توصياتهم نادرًا ما تؤثر على مسار عملية السلام أو محتوى الاتفاقات. حتى الآن، لا يزال هناك غموض حول كيفية اتخاذ قرارات المبعوث بشأن وقف إطلاق النار وجهود الوساطة الأخرى، وكيف يمكن للمجتمع المدني أن يجعل أصواته مسموعة، وهو ما قد يكون سببًا لقلة اهتمام الناس بعملية السلام. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد آليات واضحة وشفافة تربط الجهات الفاعلة في المجتمع المدني بعملية السلام. وقد أظهر البحث أن أولئك الذين لديهم صلات إما مع مكتب المبعوث أو المنظمات المحلية والدولية المشاركة على مستوى المسار الثاني هم على الأرجح أكثر قدرة على المشاركة في عملية السلام من خلال المشاورات وتبادل المعلومات من أولئك الذين لا يملكون هذه الصلات. تكمن المشكلة في أنه وبينما قد تتمكن بعض المنظمات المهنية والمتواجدة عادة في المناطق الحضرية من إنشاء هذه الروابط، فإن الغالبية العظمى من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني على المستوى الشعبي تفتقر إلى الموارد والفرص اللازمة للقيام بذلك. بالتالي، عادة ما تتم دعوة نفس الجهات الفاعلة إلى المشاورات أو الاجتماعات مراراً وتكراراً، مما لا يسمح لمجموعة واسعة من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني بالاستفادة من هذه الفرص.

إن وجود الروابط المناسبة مهم أيضًا لمشاركة المجتمع المدني في فرق آلية دعم وقف إطلاق النار المحلية. من المرجح أن تتكون هذه الفرق من ممثلين عسكريين من كل طرف من أطراف الصراع ليكونوا مسؤولين عن تنسيق وقف إطلاق النار جنبًا إلى جنب مع بعض ممثلي الأمم المتحدة. لم يتم بعد تحديد الهيكل الدقيق لفرق دعم وقف إطلاق النار المحلية، ولكن إحدى القضايا الرئيسية التي تم تحديدها هي كيفية تمثيل المجتمع المدني داخل هذه الفرق. في أحسن الأحوال، سيتم تمثيلهم من قبل الجهات الفاعلة في المجتمع المدني التي تمتلك قنوات اتصال مع أعضاء فرق دعم وقف إطلاق النار مثل السلطات المحلية والجهات الأمنية الفاعلة على مستوى المحافظة. في المحافظات التي ستستخدم فيها فرق دعم وقف إطلاق النار اللجان الأمنية على مستوى المحافظات، سيكون الفاعلون الرئيسيون الذين يجب التعامل معهم هم الجهات الأمنية المحلية الذين هم جزء لا يتجزأ من هذه الهياكل، جنبًا إلى جنب مع المحافظ الذي عادة ما يرأس هذه اللجان9. تُظهر نتائج البحث أن الجزء الأكبر من الفاعلين في المجتمع المدني الذين تمت مقابلتهم لديهم بالفعل قنوات اتصال قوية مع مكتب المحافظ في محافظاتهم المختلفة والتي يمكن أن تسهل مشاركتهم مع فرق دعم وقف إطلاق النار. ومع ذلك، في المحافظات الأخرى قد تتألف فرق دعم وقف إطلاق النار من وفود من كل طرف من أطراف الصراع وكذلك أفراد من القبائل اليمنية بحسب ديناميات الصراع في تلك المحافظة. في هذه المناطق، من المرجح أن يكون لدى الفاعلين في المجتمع المدني قنوات اتصال أقل مع هذه الجهات المختلفة وسيحتاجون إلى توطيدها أولاً. تستغرق هذه العملية وقتًا طويلاً، مما يعني أن المشاورات وتبادل المعلومات مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في مختلف المحافظات حول عملية وقف إطلاق النار يجب أن تبدأ في أقرب وقت ممكن لمنحهم الوقت للاستعداد.

دعم نشوء مجتمع مدني أكثر توحدًا وفعالية

في نهاية المطاف، فإن الانخراط في عملية السلام دون وجود الشبكات المناسبة لن يتيح للجهات الفاعلة في المجتمع المدني فرصاً كبيرة للتأثير على عملية السلام. من شأن وجود تحالف نشط من المجتمع المدني يشارك في مستويات مختلفة من عملية السلام أن يساعد في تعزيز موقف الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في عملية السلام وأن يزيد من فرص تأثيرها على مضمون وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار أو حتى على ترتيبات ما بعد الصراع. على الرغم من وجود العديد من هذه الشبكات اليوم، بما فيها شبكات النساء والشباب، فليس من الواضح مدى نشاطها وفعاليتها في هذا الصدد. كثيراً ما تفتقر هذه الشبكات والتحالفات إلى التنسيق والاستراتيجية المناسبة والرؤية المشتركة فضلاً عن الموارد اللازمة لقيادة أنشطة المناصرة والضغط الفعالة. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم هذه الشبكات والتحالفات موجهة نحو الأنشطة على المستوى الوطني فقط وليس لديها تواصل واضح مع الفاعلين على المستوى الشعبي، الذين سيكونون أكثر قدرة على خلق زخم حول عملية السلام على المستوى المحلي. من المهم الإشارة إلى أن مبادرات المسار الثاني مثل منتدى السلام الذي نظمه مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية10 أو الخارطة النسوية للسلام في اليمن التي نظمتها مبادرة مسار السلام11 قد لعبت دورًا إيجابيًا في إشراك الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في عملية السلام؛ فضلاً عن تيسير الحوار وبناء الثقة بين مختلف الجهات الفاعلة. وكلما كانت هذه المبادرات قائمة ومدعومة ستكون الجهات الفاعلة في المجتمع المدني أكثر استعداداً للمساهمة بصورة مجدية في عملية سلام مستدام بدءاً بوقف دائم لإطلاق النار.

في حين أن الموارد المحدودة وضعف القدرات والبيئة غير الآمنة تعتبر تحديات جدية، إلا أن الانقسامات الداخلية للمجتمع المدني اليمني أدت إلى تثبيط جهوده، حيث انعكس الصراع الأوسع في البلاد على المجتمع المدني المنقسم على أسس سياسية وإقليمية. تحمل بعض هذه النزاعات أيضاً بعداً شخصياً مما أدى إلى إنشاء تحالفات غير رسمية بين بعض الفاعلين في المجتمع المدني. جعلت هذه الانقسامات من الصعب على المجتمع المدني اليمني بلورة موقف مشترك بشأن عملية السلام وغيرها من القضايا المتعلقة بالصراع اليمني. وكما سبقت الإشارة في كتابات أخرى12 سيتطلب الأمر مستويات عالية من النضج والاستعداد من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني اليمني لتجاوز تحيزاتهم الشخصية والسياسية من أجل المصلحة الأكبر لمستقبل اليمن. جديرٌ بالذكر أن هذه الانقسامات تم تأجيجها من قبل أطراف النزاع المختلفة من خلال الحملات الإعلامية والحملات الدعائية الممولة بسخاء والتي أدت إلى تعميق انقسامات المجتمع المدني اليمني13. ومن ثم، فإنه من الأهمية بمكان أن يكون الفاعلون في المجتمع المدني اليمني قادرين على التحكم في سرديتهم وتعزيز رؤيتهم الخاصة لمستقبل بلدهم. سيتطلب ذلك دعمًا وتوجيهًا من المجتمع المدني الدولي الذي بمقدوره مساعدة المجتمع المدني اليمني في تحسين قدرته على استخدام أدوات المناصرة على الإنترنت وعلى الواقع كوسيلة فعالة للحشد والتعبئة.

يتعين على المانحين الدوليين والجهات الفاعلة في بناء السلام العمل مع المجتمع المدني اليمني لتطوير صوت قوي لطرح مواقف واضحة وعملية بشأن عملية السلام. ينبغي أن يبدأ هذا بالتزام طويل الأجل وبفهم أن المجتمع المدني اليمني ليس متجانساً وأن التحالفات الوطنية قد لا تمثل بالضرورة فصائل محلية مختلفة. ويجب تشجيع الحوار الأكثر شمولاً بين مختلف الجهات الفاعلة في المجتمع المدني اليمني إلى جانب الدعم المالي والفني لشبكات وتحالفات المجتمع المدني اليمني المحلية. سيكون هذا الدعم مفيدًا بشكل خاص في الفترة التي تسبق عملية وقف إطلاق النار بمجرد استئنافها، عندما يحتاج المجتمع المدني اليمني إلى أن يكون قادرًا على التعبئة بشكل فعال وممارسة الضغط اللازم لضمان انعكاس أولوياته في أي اتفاق.

أخيرًا، سيحتاج المجتمع المدني اليمني إلى دعم من نظرائه الدوليين لزيادة قدرته على التواصل وفعاليته على الساحة الدولية. وسيشمل ذلك الدعم الفني في ممارسة الضغط والمناصرة مثل إعداد أوراق السياسات والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات الدولية؛ فضلاً عن تبادل المعلومات حول مختلف القضايا المتعلقة باليمن. كما سيشمل فرصًا تدريبية للجهات الفاعلة في المجتمع المدني المحلي لتعزيز قدراتها في كل من المهارات اللغوية والفنية. يجب أن يعمل الفاعلون في المجتمع المدني اليمني أنفسهم على تطوير فهم مشترك لعملية السلام حتى يتمكنوا من صياغة موقف موحد لدعم عملية السلام عوضاً عن الاكتفاء بإبداء ردود الفعل عليها. وسيحتاج الأمر إلى وقت وجهد كبيرين من قبل الجهات الفاعلة في المجتمع المدني اليمني لتطوير القدرات والخبرة في تنفيذ أعمال المناصرة الفعالة لا سيما مع استمرارهم في العمل في بيئة تفتقر للأمن بشدة. ومع ذلك، نظرًا لما هو على المحك بالنسبة لليمن، وفرصة المجتمع المدني للانخراط في عملية حاسمة من شأنها تشكيل مستقبل بلدها، فإنه لا يوجد وقت أفضل من الآن لدعم وتمكين المجتمع المدني اليمني


نبذة عن الكاتبة: أصبحت هديل الموفق عضوة في المركز اليمني للسياسات كزميلة باحثة في عام 2020. في العام 2015، انضمت إلى منظمة مواطنة كباحثة في انتهاكات حقوق الإنسان، وقامت بتوثيق حالات الضحايا المدنيين والجنود الأطفال والقتل خارج نطاق القانون والاعتقال التعسفي والقيود على الحريات الصحفية. حصلت هديل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة ستانفورد (2020).

تود الكاتبة أن تشكر ماري كريستيان هاينز على مراجعتها المفيدة والدؤوبة لنسخة سابقة من هذه المقالة.

المانح:
بدعم من قبل وزارة خارجية المانيا الاتحادية بتمويل من IFA، برنامج سيفيك للتمويل
التحرير:
مرايكا ترانسفيلد
محررو النسخة: جاتيندر بادا
الصورة:
علا الأغبري، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمؤسسة شباب سبأ للتنمية والسلام، تتحدث عن الوضع في الشرق الأوسط (اليمن) – مجلس الأمن ، الاجتماع 8946 ، يناير 2022. Credit: UN Web TV.

REFERENCES:
  1. إحاطة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من قبل المبعوث الخاص لليمن-مارتن غريفيت، 14 يناير 2020 https://reliefweb.int/report/yemen/briefing-united-nations-security-council-special-envoy-yemen-martin-griffiths-14[]
  2. مايكل نايتس، أليكس ألميدا (17 مارس 2021) ” إنقاذ عملية السلام في اليمن من خلال إضعاف الزحف الحوثي نحو مأرب” معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، بالعربي: https://bit.ly/3srVajL[]
  3. تقرير مجلس الأمن (سبتمبر 2021) “النشرة الشهرية لشهر سبتمبر 2021” https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2021-09/yemen-34.php[]
  4. فيديريكا مارسي (27 يناير 2022) “المدنيون اليمنيون يتحملون وطأة تصعيد الصراع بين الحوثيين والإمارات” الجزيرة https://www.aljazeera.com/news/2022/1/27/yemeni-civilians-bear-the-brunt-of-houthi-uae-escalating-conflict[]
  5. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية (10 أكتوبر 2020) “معركة مأرب – تقرير اليمن، سبتمبر 2020”. https://sanaacenter.org/publications/the-yemen-review/11678[]
  6. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية (13 أكتوبر 2021) “الجنوبيون يحتجون على الانهيار الاقتصادي مع تقدم الحوثيين – تقرير اليمن، سبتمبر 2021” https://sanaacenter.org/publications/the-yemen-review/15218[]
  7. إبراهيم جلال (22 يناير 2020) “اتفاق ستوكهولم اليمني بعد عام واحد: تقدم متخيل؟” معهد الشرق الأوسط https://www.mei.edu/publications/yemens-stockholm-agreement-one-year-imaginary-progress[]
  8. هديل الموفق (نوفمبر 2021) “من أجل سلام مستدام يجب أن تكون حقوق الإنسان في صدارة عملية السلام ” المركز اليمني للسياسات https://bit.ly/3shqGAE[]
  9. مرايكا ترانسفيلد وآخرون “”حوكمة الأمن المحلي في اليمن في أوقات الحرب: حالات الحديدة وتعز وعدن.” المركز اليمني للسياسات. 14 أبريل 2021. متاح على: https://www.yemenpolicy.org/wp-content/uploads/2021/04/YPC-CARPO-Local-Security-Governance-in-Yemen-in-Times-of-War- final.pdf[]
  10. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية (ديسمبر 2019) “منتدى اليمن للسلام” https://sanaacenter.org/programs/ypf[]
  11. مبادرة مسار السلام “الخارطة النسوية للسلام في اليمن” https://www.peacetrackinitiative.org/convening2021[]
  12. هديل الموفق (نوفمبر 2021) “من أجل سلام مستدام يجب أن تكون حقوق الإنسان في صدارة عملية السلام ” المركز اليمني للسياسات https://bit.ly/3shqGAE[]
  13. ليراتو باجيوا (6 نوفمبر 2017) “لم يقم أحد بأي محاولة لحماية منظمات المجتمع المدني اليمني من تأثير الصراع المسلح” تحالف سيفيكوس العالمي https://www.civicus.org/index.php/es/component/content/article/122-media-resources/news/interviews/2987-nobody-has-made-any-attempt-to-shield-yemeni-civil-society-organisations-from-impact-of-armed-conflict?Itemid=1523.[]
النشرة البريدية للمركز اليمني للسياسات
تابعنا على شبكات التواصل الإجتماعي