آزال السلفي

الحركة النسوية اليمنية المتوارية تشكل شبكة حماية ظل


فبراير 2022

في أكتوبر من العام 2018 اعتقلت سلطات الأمر الواقع الحوثية ناشطة في حقوق الإنسان تبلغ من العمر 21 عاماً.  وقد تم اعتقالها بجانب العشرات من طلاب الجامعات الآخرين بعد احتجاجهم على سلطة الحوثيين وتدهور الأحوال المعيشية في صنعاء. كان وجهها مغطى بالدماء عندما أطلق سراحها، وقد حذرها معتقلوها من عواقب أكثر قساوة إذا اشتركت في المظاهرات مرة أخرى. وبعد إدراكها أنها لن تكون آمنة بعد الآن، غادرت منزلها آخذة معها حاجياتها الضرورية فقط بما ذلك هاتفها المحمول للبقاء على تواصل بشبكة أمان عرضت عليها خطة للخروج. وبمساعدة مجموعة صغيرة، ولكن مخلصة من النسويات، نُقلت هي و14 امرأة يمنية أخرى إلى بر الأمان بعد أن بعد أن أصبحن ضحية للتهديدات والعنف والاعتقالات الغير القانونية. تشكل هؤلاء النساء نسبة ضئيلة فقط ممن هم بحاجة إلى المساعدة، ممن يتعرضون للتهديد والاعتقال والإساءة في السجون في أنحاء اليمن.

منذ ثورة 2011 التي شملت أنحاء البلاد ضد نظام الرئيس اليمني السابق، كانت المرأة في طليعة التغيير الاجتماعي والسياسي متحدية الأعراف الأبوية والعنف الهيكلي الذي قيد بشدة مشاركتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. في الوقت نفسه، ساهم الصراع العنيف والمستمر في فشل آليات الحماية التقليدية والتي لطالما كانت ضعيفة في حماية النساء ومحاسبة الجناة، الأمر الذي جعل المدافعات عن حقوق الإنسان وبانيات السلام لا يشعرن بالأمان والحماية. إن استهداف النساء هو جزء من قمع منهجي ضد الحركة النسائية في اليمن والتي تجسدها المدافعات عن حقوق الإنسان اللواتي ينتقدن السلطات، وهذا القمع يتجسد من خلال العنف الهيكلي المتأصل في الأنظمة الرسمية (القانونية والحكومية) وغير الرسمية (المجتمعية والقبلية والعائلية) التي تحد من قدرة المرأة على المشاركة في الحياة العامة.

على الرغم من هذه الصعوبات ومن انعدام الثقة في الأنظمة التقليدية، إلا أن المرأة اليمنية تبرهن باستمرار على صمودها.  أحد التعبيرات عن هذا الصمود يتجلى في شبكة حماية متوارية أنشأتها ناشطات يمنيات تهدف إلى سد الثغرات في آليات الحماية التقليدية الفاشلة. تقدم “شبكة الظل” دعماً واستجابة فورية خاصة للمدافعات عن حقوق الإنسان اللواتي يواجهن التهديدات والعنف أو السجن. تساعد هذه الشبكة عضواتها على المناورة ضد العوائق، مثل العوائق البيروقراطية أو المالية أو تلك التي أنشأتها الهياكل الأبوية العنيفة. تجزم عضوات شبكة الظل اللواتي تمت مقابلتهن من أجل هذا البحث العملي التشاركي بأن سلامة وحماية النساء من أي شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي هو حجر أساس أساسي لتحقيق السلام المستدام.

نساء خبيرات في المكان المناسب، والوقت المناسب

بدافع من نشاطهن الرقمي لتعزيز السلام واستلهاماً من الشبكات المتوارية الأخرى العاملة في منطقة الشرق الأوسط لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، شكلت النسويات اليمنيات شبكة أمان متوارية لحماية النساء المنخرطات في النشاط الحقوقي وأولئك اللواتي يفرن من الانتهاكات الأسرية والمجتمعية والمؤسسية. ونظراً لقدرة الشبكة على التنسيق بشكل سريع وتبادل المعلومات بشكل فوري -بالإضافة إلى تعاطف عضواتها مع النساء اللائي يواجهن العنف- فهي قادرة على العمل بشكل أكثر فاعلية مع العديد من شبكات المجتمع المدني. إن خبرة ومرونة عضوات الشبكة تعني أنها تعمل بكفاءة وتوجه تحركاتها بمرونة وتمارس أعمالها بشكل مبتكر.

وفقاً لإحدى العضوات المؤسسات فإن هذه الشبكة كان لها بدايات متواضعة. فقد بدأت النساء اللواتي شكلن الشبكة الأولية بالإبلاغ عن الانتهاكات ضد النساء عبر الإنترنت إلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة باستخدام أدوات الإبلاغ المعروفة، وتقديم الدعم المعنوي وتزويدهن بالنصائح التعليمية وأدوات الحماية لمنع أو التعاطي مع المخاطر التي قد تتعرض لها النساء الناشطات في المجالات السياسية أو الإنسانية أو بناء السلام. ظهرت الشبكة كنتيجة لعدم الثقة في آليات الحماية التقليدية وقد نجحت في تعزيز الثقة بين عضواتها. يتدخل نظام الظل عندما تفشل الحكومات أو المنظمات أو المجتمعات أو حتى العائلات. إن ما بدأ كمجموعة من 20 امرأة يضم الآن 300 عضوة نشطة على مستوى العالم يقدمن المساعدة من واقع خبراتهن المختلفة بما في ذلك القانون والصحافة والمساعدة الاجتماعية أو الصحة من داخل اليمن وعبر الشرق الأوسط وأوروبا وكندا.

اعتماداً على نوعية الحالة يتم تفعيل خدمات الحماية اللازمة كما أوضحت أحد عضوات الشبكة: “لا تعرف العديد من النساء والمدافعات عن حقوق الإنسان ماذا يفعلن في المواقف الصعبة وبسبب خبرتنا وتجاربنا في مختلف المجالات فإننا قادرون على تقييم مستوى المساعدة المطلوبة”. بالإمكان توسيع نطاق الحماية بشكل استشارات قانونية، وتقديم دعم للصحة النفسية، والإسكان المؤقت وتقديم المال وخطط الخروج. تعتمد خطط الخروج على الخبرة القانونية في الهجرة وقوانين اللجوء وحقوق المرأة. معظم عمل الشبكة تطوعي ومع ذلك يتم إحالة بعض الحالات الحساسة إلى المنظمات المسجلة التي بحوزتها تمويل مخصص لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، على سبيل المثال الحالات التي تشمل النساء ذوات الاحتياجات خاصة.

الصمود في ظلال شبكات المجتمع المدني

بعكس آليات الحماية التقليدية يوفر نظام الظل استجابة فورية لأنه يتجاوز البيروقراطية والفساد المؤسسي ويستند في تقديمه المساعدة على المعلومات المقدمة مباشرة من قبل الأعضاء والأفراد الساعين للحصول على الحماية. ومع ذلك، ونظراً لأنه يعمل في الظل فإن النساء اللواتي يحتجن للمساعدة غير مدركات لوجوده. إذ يتم إحالة الحالات في العادة إلى الشبكة من قبل أحد العضوات، وحالما يتم إحالة الحالة يتم عقد اجتماع مع المرأة المعنية وبمجرد تحديد خطورة الموقف وموقع المرأة والمساعدة المطلوبة يتم الإعلان عن الحالة لمجموعة آمنة عبر الإنترنت.

تساعد المتطوعات في توفير السكن في حالات الطوارئ أو في تقديم الدعم للصحة النفسية أو في الاستشارة القانونية أو خطة الخروج. ولتجنب أي سوء إدارة، يتم توثيق جميع الخطوات المتخذة في كل حالة وأرشفتها. تحتفظ الشبكة بقاعدة بيانات عن كل حالة بما في ذلك معلومات عن نوع ومقدار الانتهاك، وعن وضع الحالة وغيرها من المعلومات ذات الصلة. قاعدة البيانات هذه تظل خاصة ولا يمكن الوصول إليها إلا لعدد قليل من أعضاء الشبكة.

تستخدم شبكة الظل نظام الإدارة الذاتية مما يمكنها من التفاعل مع الحالات بمرونة من خلال الخبرات المختلفة للعضوات حسب الحالة. تعمل الشبكة بحس المسؤولية والالتزام بحقوق الإنسان وحقوق المرأة والمبادئ النسوية. بينما تشكل أهم الركائز، التواصل والسرية وتنفيذ الخطة، كما تقول إحدى العضوات: “معظم الحالات حساسة وتحتاج إلى خطط خروج ذكية، وهذا ينطبق على الطرفين سواء مقدمي الحماية أو المحتاجين لها.. وإلا ستكون حياتنا كلها معرضة للخطر.” تشكل هذه العوامل الركائز الاساسية للشبكة فتضمن أن تعمل شبكة الظل بشكل متماسك على الرغم من اختلاف الآراء السياسية والشخصية مراعية لظروف النزاع والفوارق ما بين الجنسين.

حدود إمكانات شبكات الظل

محرك عضوات الشبكة هو التعاطف الذي يشعرن به تجاه النساء الباحثات عن الحماية لأن العديد منهن كن عرضة للعنف. كما أوضحت أحد المشاركات: “نحن نعيّ مخاطر النشاط الحقوقي، وما تعانيه المدافعات عن حقوق الإنسان.. كنا يوماً ما في نفس الموقف.. ونحن أكثر من أي شخص نرتبط بقضيتهن ونشعر بصدمتهن”. لذلك حتى إذا كانت الشبكة غير قادرة على تقديم دعم ملموس، فإنها لا تزال تقدم الدعم المعنوي للنساء اللائي يواجهن العنف. فيعزز هذا الدعم صمود وتصميم النساء الناشطات في هذا المجال.

على الرغم من إنجازات نظام الظل إلا أن الشبكة تعاني من مشاكل مماثلة لتلك التي تواجه شبكات المجتمع المدني. فمن حين لآخر، لا يكون التضامن حاضرًا دائمًا أو غير مشروط، كما أوضحت إحدى العضوات فإن هذا يتجلى من خلال ردود أفعال الأعضاء المتسمة بالنضال الإلكتروني والتطوعية في حالات معينة: “عادةً ما تكون العضوات متعاطفات مع الحالات التي نتلقاها، ولكن لا تشارك جميع العضوات في تقديم المساعدة، فبعضهن بسبب عدم توفر الوقت والجهد لديهن والبعض الآخر ربما بسبب قلة الحافز الكافي لديهن”. يؤدي الانخراط الشخصي والإحساس بالملكية على المشاريع أو بعض الجوانب في القضايا إلى سلوك حماية مفرطة، مما يؤدي إلى عرقلة المساعدة المحتملة من أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم منافسون أو دخلاء خوفًا من فقدان مركز متميز. كما تمتد المنافسة داخل المجتمع المدني على التمويل أو الاهتمام إلى الشبكات غير الرسمية، مما يخلق حساسيات بين الأعضاء.

إن القلق الأكثر خطورة هو احتمال أن تتطور الشبكة إلى شبكة سرية إذا تم الوصول إليها من قبل أفراد معاديين. على الرغم من عمليات التحقيق العميقة عن الخلفيات، لا توجد ضمانات بأن شبكة الظل يمكن أن تستضيف دون قصد خلايا متطرفة أي: متطرفين دينياً، متاجرين بالبشر وإرهابيين، ممن بمقدورهم تفكيك الشبكة وتهديدها، أو حتى تحويلها إلى حركة تعرقل تقدم توفير الحماية.

الخاتمة

خلال الصراع الحالي، ساهمت النساء من خلال نشاطهن الحقوقي ورعايتهن وأدوارهن القيادية في الحفاظ على النسيج الاجتماعي للمجتمع وإصلاح العلاقات ومد الجسور بين الشبكات. تجعل هذه النشاطات المدافعات عن حقوق الإنسان وبناة السلام عرضة لأشكال مختلفة من العنف الهيكلي والأبوي. وبسبب تطبيع العنف القائم على النوع الاجتماعي ضمن الأعراف الاجتماعية والقانونية لا تزال المسارات التقليدية نحو الحماية والأمن غير موجودة. وبالتالي، فإن حماية المرأة باعتبارها لبنة أساسية لتحقيق السلام لا تزال مفقودة.

نجح نظام الظل -من خلال أعمال الحماية الخاصة به- حيث فشلت أنظمة أخرى، وذلك: في إنشاء شبكة فعالة تتغلب على الحواجز المؤسسية وتوفر الأمن للمدافعات عن حقوق الإنسان للاستمرار في تقديم مساهمة مباشرة في بناء السلام. تشمل معضلة هذه الشبكات المرنة الوصول المحدود إلى المحتاجات للحماية ومخاطر استضافة الأعضاء المعادين. علاوة على ذلك، على الرغم من أن الشبكة لا تزال غير مسجلة لضمان السرية ونجاح عملية الحماية، فإن الافتقار إلى المشروعية القانونية قد يعرض الشبكة للخطر ويقوض مصداقية أعضاءها، مما يعني أن أولئك الذين يحتاجون إلى المساعدة قد يرفضون إمكانية الحماية.


انضمت آزال السلفي إلى المركز اليمني للسياسات كزميلة باحثة في العام 2021، وهي تمتلك خلفية في العمل في مجالات حقوق الإنسان وريادة الأعمال والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. في عام 2018 أسست آزال شركة اجتماعية ناشئة لدعم النساء المهاجرات وتعزيز رفاههن وإمكانياتهن الاقتصادية. تدير آزال الحوارات في طاولة النقاش اليمني، وهي عبارة عن منصة موجهة نحو الحلول تجمع بين الخبراء اليمنيين الشباب لمعالجة موضوعات متعلقة باليمن. من أجل إجراء هذا البحث شاركت آزال في شبكة الظل بصفتها الشخصية.

المانح:
وزارة خارجية ألمانيا الاتحادية
التحرير:
مرايكا ترانسفيلد
محررو النسخة: جاتيندر بادا
الترجمة:
فاطمة صالح (عربي)
الصورة:
أحمد الهجري

النشرة البريدية للمركز اليمني للسياسات
تابعنا على شبكات التواصل الإجتماعي