د. كوكب الوادعي

التنمية الريفية هي مفتاح السلام المستدام في اليمن


يوليو 2021

يعيش أكثر من ثلثي الشعب اليمني في المناطق الريفية. وقد عانت هذه المناطق على مدى عقود من نقص في الخدمات الحكومية وبرامج التنمية وقلة المدارس والمستشفيات والمؤسسات الثقافية الملائمة. كما فشلت الحكومات المتعاقبة في خلق فرص اقتصادية مستدامة لسكان الريف. ونتيجة لذلك، أصبح الملايين من اليمنيين الريفيين محاصرين من قبل الثلاثي القاتل، الأمية والفقر والمرض.

والآن مع دخول الحرب عامها السابع، ساءت الظروف المعيشية بشكل كبير.، فغالبًا ما تتحمل النساء والأطفال وطأة المشكلات الصحية وانعدام الأمن الاقتصادي. علاوة على ذلك، من دون التنمية والفرص الاقتصادية في هذه المناطق، من المرجح أن تقوم الميليشيات والجماعات المتطرفة أو الإجرامية بتجنيد الشباب الذين قد يتورطون في ممارسات غير قانونية مثل الاتجار بالبشر. ترى كوكب الوادعي أنه يجب اعتماد نهج جديد من قبل أي حكومة مستقبلية بحيث يتم التعامل مع سكان المناطق الريفية على قدم المساواة مع سكان الحضر. ويجب أن يكون لدعم القطاع الزراعي وتوفير الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية في هذه المجالات أولوية قصوى.

المناطق الريفية في اليمن: تاريخ من الإهمال الرسمي

على مدى السنوات الستين الماضية، فشلت الحكومات اليمنية المتعاقبة في تزويد 19 مليون شخص من سكان الريف بالخدمات الأساسية مثل الرعاية الطبية والتعليم، كما فشلت في خلق فرص اقتصادية مستدامة للأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية.

وتميل المراكز الحضرية الكبيرة إلى تلقي معظم استثمارات القطاعين العام والخاص كما أن غالبية النخبة السياسية، وكذلك كبار التجار وصغارهم، يعيشون في المدن الرئيسية. حتى أن زعماء القبائل غالبًا ما يتحكمون بمناطقهم الريفية من مساكنهم في المدينة. وتتركز التنمية في العاصمة صنعاء باعتبارها أكبر مركز حضري في المرتفعات الشمالية. وقد شهدت المدينة أكبر استثمار في الخدمات العامة، مع وجود مدارس جيدة وأطباء جيدين وطرق معبدة. 

وعلى عكس معظم المناطق الحضرية، لم تتلق المناطق الريفية سوى القليل من دعم القطاع العام أو الخاص للخدمات. ويعد الوصول إلى المدارس والرعاية الصحية أمرًا صعبًا بشكل خاص بالنسبة لليمنيين في المناطق الريفية، إذ أنه غالبًا ما توجد المدارس، خاصة للطلاب الأكبر سنًا، في المدن المركزية على بعد مسافة طويلة من القرى.

ولا تستطيع الفتيات -في كثير من الأحيان- قطع هذه المسافات بسبب الأعراف الاجتماعية فيتركن المدرسة بعد التعليم الابتدائي. وغالبًا ما تكافح المدارس الريفية للعثور على معلمين مؤهلين لتوظيفهم. وبالمثل، فإن المراكز الصحية والمستشفيات الأفضل تجهيزًا والتي تحتوي على أفضل طاقم عمل تقع في الغالب في المدن والمراكز الحضرية، ويصعب على بعض الأشخاص، مثل أولئك الذين يعانون من مشاكل صحية أو النساء الحوامل، قطع المسافات المطلوبة، لاسيما في المناطق الجبلية ذات الطرق سيئة. كما أن فرص العمل نادرة أيضا.

فشلت الحكومات اليمنية في تمكين عملية صنع القرار على المستوى الإقليمي أو المحلي. ولم تبدِ الدولة المركزية في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح أي اهتمام بخدمة المواطنين الريفيين، باستثناء ربط الشخصيات الريفية البارزة مثل الشيوخ والضباط ورجال الأعمال بشبكة المحسوبية غير الرسمية للرئيس. وتمتعت هذه الشخصيات بمكانة تفضيلية ومساعدات نقدية مقابل ضمان ولاء سكان المناطق الريفية للحزب الحاكم وللرئيس نفسه.

ونتيجة عقود من الإهمال، أصبحت المناطق الريفية في الجنوب الشرقي، مثل البيضاء وأبين وحضرموت، بيئة خصبة للجماعات الدينية المتطرفة بما في ذلك القاعدة في شبه الجزيرة العربية. بينما استفادت هذه الجماعات من الفراغ الحكومي والثقافي الذي خلفته الدولة في عهد صالح.

قبل استيلائهم على السلطة في عام 2014، عزز الحوثيون سلطتهم في المرتفعات الشمالية من خلال تقديم أنفسهم كمعارضين للظلم الذي ترتكبه الدولة المركزية، وانتقاد الافتقار إلى برامج تنموية حكومية في منطقتهم.

في العقود المقبلة، من المحتمل أن تظل المناطق الريفية في اليمن المصدر الرئيسي لدعم الجماعات المتطرفة، فضلاً عن كونها مصدرًا للصراع وعدم الاستقرار لأي حكومة مستقبلية تحكم من مراكز المدن، سواء في صنعاء أو عدن أو في مكان آخر.

تفاقم القضايا الريفية بسبب الحرب

تفاقم الوضع في المناطق الريفية بسبب الصراع الحالي. فقد جعلت الحرب الوصول إلى المدن من أجل التوظيف والخدمات الطبية أكثر صعوبة، حيث ارتفعت تكاليف الوقود بشكل كبير، وتضررت الطرق، وسيطرت أطراف النزاع المختلفة على تحركات الناس. ومنعت الحرب العديد من مشاريع التنمية الريفية التي تشتد الحاجة إليها في مجالات مثل المياه والرعاية الصحية، وأصبح الحصول على الغذاء صعبًا بشكل متزايد بالنسبة للأسر التي تعاني بالفعل من سوء التغذية الشديد. 

تعرضت مناطق المرتفعات الشمالية الريفية، ولاسيما محافظتي حجة وصعدة المتاخمتين للسعودية، لقصف جوي مكثف من قبل التحالف السعودي مما أدى إلى تدمير البنية التحتية للمحافظات.

حتى المستشفيات لم تسلم من القصف فقد تعرض مستشفى عبس في حجة ، الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود، للقصف أربع مرات. كما تضررت قطاعات التعليم والطاقة والإسكان والنقل والمياه والصرف الصحي بشدة. وعندما ضربت المجاعة أحياء حجة، نقلت وسائل الإعلام المحلية قصصًا عن عائلات تأكل أوراق الأشجار، مع وفاة عشرات الأطفال من الجوع.

ويستحيل نسيان مشهد والد يمني من منطقة أسلم في حجة، حمل رضيعه وسار لمدة ثلاث ساعات من قريته وهو حافي القدمين حتى وصل إلى مركز المديرية الصحي الذي يعاني من نقص حاد في المستلزمات الطبية. ثم عاد إلى قريته، والطفل ميت بين ذراعيه.

كانت المناطق الريفية هي المصدر الرئيسي لإنتاج الغذاء في اليمن على الرغم من الافتقار إلى التنمية في فترة ما قبل الحرب، وكانت الزراعة الريفية ومصايد الأسماك وقطاعات المياه توفر فرص عمل لنسبة كبيرة من السكان.

كافحت هذه القطاعات منذ بداية الحرب. على سبيل المثال، أثر ارتفاع أسعار الوقود على مدى السنوات الخمس الماضية على قدرة المزارعين اليمنيين على تشغيل الآلات ونقل البضائع، فضلاً عن تأمين ما يكفي من مياه الشرب الآمنة ومياه الريّ والماشية. لم يتمكن الصيادون من إمداد قواربهم بالوقود اللازم، مما أدى إلى انخفاض كبير في إنتاج مصايد الأسماك، وبدوره أثر على قدرتهم على تحقيق الدخل وتوفير مصادر الغذاء المحلية.

النساء والأطفال في المناطق الريفية

نظرًا لأن معظم اليمن ريفي، فقد أثر ذلك بشكل كبير تاريخيًا على وضع المرأة اليمنية في هذه المناطق وحصولها على الخدمات المختلفة، وأهمها الصحة والتعليم. وقد أشار صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقرير الاستجابة الإنسانية 2020 إلى أن حوالي ستة ملايين امرأة وفتاة في سن الإنجاب (15 إلى 49) بحاجة إلى الدعم، حيث تعيش غالبية هؤلاء النساء في المناطق الريفية.

وبسبب نقص الغذاء المتزايد، فأن أكثر من مليون امرأة حامل معرضة للإصابة بسوء التغذية وخطر ولادة أطفال يعانون من توقف النمو. بالإضافة إلى ذلك، هناك 114000 امرأة معرضات لخطر الإصابة بمضاعفات الولادة.

كما أدى العنف وانعدام الأمن الناجمين عن الصراع الحالي إلى زيادة الأعباء والمسؤوليات على عاتق المرأة في المناطق الريفية بشكل كبير. فغالبًا ما تتعامل النساء مع معظم احتياجات الأسرة، بما في ذلك تحمل مسؤولية الماشية والطهي وجلب المياه والحطب والعمل في الحقول جنبًا إلى جنب مع الرجال. كما تهتم النساء بالأطفال والمسنين والمرضى، فهن يفين بهذه الالتزامات في غياب رجال أصبحوا مقاتلين أو مسجونين أو مصابين أو ميتين.

أما الأطفال في المناطق الريفية – أولئك الذين نجوا من الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والدفتيريا وسوء التغذية والمجاعة – فهم معرضون لجميع أنواع الانتهاكات، بما في ذلك الاعتداء الجنسي، وزواج الأطفال، وعمالة الأطفال، والتسول القسري، والاستغلال من قبل الجماعات المسلحة والمستفيدين من الحرب.

ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن جميع الأطراف المتصارعة في اليمن (الحوثيون، القوات المدعومة من الحكومة المعترف بها دولياً، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة) تستخدم الأطفال كجنود في النزاع المسلح.

أما بالنسبة للفتيات الريفيات، فإن الوضع ليس أفضل من الصبية. ففي بعض المناطق، كان أولئك الذين كانوا محظوظين بما يكفي لتلقي التعليم قبل الحرب يقومون بالسير لأكثر من ساعتين للوصول إلى المدرسة، ولكن تم قطع كل الوسائل خلال الحرب، حيث استهدفت المدارس بالقصف الجوي أو تم تحويلها إلى ملاجئ للنازحين.

وقد أشارت دراسة لمنظمة اليونيسف إلى أن نسبة الأمية بين الفتيات والنساء اليمنيات بلغت 53٪. علاوة على ذلك، أدى الفقر المدقع بين الأسر إلى زيادة الزواج المبكر. وبلغ إجمالي عدد الفتيات اللاتي يتزوجن قبل سن 18 عاما 52 بالمئة، 14 بالمئة منهن يتزوجن قبل سن الخامسة عشرة. وتتعرض حياة هؤلاء الفتيات للخطر لأنهن يصبحن حوامل في سن مبكرة ويمكن أن يتعرضن للاعتداء الجنسي أو الولادة المبكرة أو الإجهاض. ومن المحتمل أيضًا أن يتعرضن لسوء التغذية، مع افتقارهن للرعاية الصحية طوال الوقت.  

الانقسام والصراع يحولان دون التنمية الشاملة

لسوء الحظ، فإن الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا، الذين يجتمعون على طاولة المفاوضات من حين لآخر، لا يرون أبعد من السيطرة على الأراضي وتوزيع المناصب الحكومية بعد الحرب. والأهداف التي يسعون إليها لن تؤدي إلى سلام مستدام. حيث لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التنمية الشاملة، بدءًا من المناطق التي تم إهمالها منذ عقود: المناطق الريفية.

كما لن يتحقق السلام المستدام بدون العدالة الاجتماعية التي تتيح لجميع اليمنيين الوصول إلى التعليم والصحة وفرص العمل والمشاركة السياسية، ولذا يجب حماية حقوق جميع المواطنين; الأطفال والنساء والرجال من خلال تعزيز السلطة القانونية والتشريعية والتنفيذية، حيث يخضع جميع الناس للقانون المدني.

إن الحكومات المستقبلية بحاجة إلى تجنب أخطاء أسلافها. فبدلاً من إنفاق ميزانية الدولة على زعماء القبائل ورجال الأعمال وغيرهم من الأفراد المرتبطين بالنخبة، يجب على الدولة مراعاة احتياجات جميع اليمنيين على قدم المساواة.

يجب على المانحين الذين يرعون عملية السلام في اليمن المساعدة في دعم التنمية الحقيقية لـ 71 في المائة من السكان الذين يعيشون في المناطق الريفية. فاليمن لا يحتاج إلى سلال غذائية وحليب أطفال. بدلاً من ذلك، ينبغي للجهات الفاعلة الدولية المساعدة في إعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وتقديم مشاريع إنمائية حقيقية للمناطق الريفية، مع التركيز بشكل خاص على المرأة. فالمرأة هي المفتاح لتنمية المناطق الريفية على المدى القصير والطويل.

نبذة عن الكاتبة: د. كوكب الوادعي مستشارة في اللجنة الوطنية للمرأة في اليمن وعضو في مركز أبحاث وتعليم حقوق الإنسان في جامعة أوتاوا. تتمتع بخبرة تزيد عن 18 عامًا في العمل في مجالات حقوق الإنسان والسلام والحوار، ووضع خطط واستراتيجيات بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي، والعنف الجنسي، والعنف المتطرف على مستوى المجتمع المحلي في المحافظات للمنظمات غير الحكومية اليمنية وكذلك للمسؤولين الحكوميين.

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكتاب ولا تعكس بالضرورة آراء ووجهات نظر المركز اليمني للسياسات أو الجهات المانحة له.

Share on facebook
مشاركة في فيسبوك
Share on twitter
مشاركة في تويتر
Share on linkedin
مشاركة في لينكدان
Yemen Policy Newsletter