آمال عبدالله

التعليم العالي هو الطريق نحو تمكين المرأة في اليمن


فبراير ٢٠٢١

نال التوجه الراهن لأنصار الله نحو تقييد قدرة المرأة على المشاركة في الفضاء العام مناقشة واسعة النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد برز ذلك التوجه مع ما أثاره من نقاش بعد أسابيع قليلة من تشكيل الحكومة المعترف بها دوليا لمجلس وزراء جديد أعضاؤه من الرجال فقط. وتلك سابقة لم تحدث منذ 20 عاما. وتبع ذلك، في السياق ذاته، نشر صور على الانترنت لجدار بني في إحدى قاعات جامعة صنعاء الغرض منه الفصل بين الطالبات والطلاب. وهذه الأحداث تعد مؤشرات على الخطر المحدق بمشاركة الإناث سواء في المجال السياسي أو في السلك التعليمي. وفي هذا المقال تذهب الباحثة والمترجمة آمال عبدالله إلى أنّ الحل في المجال السياسي يتطلب معالجة الأوضاع في القطاع التعليمي.

على الرغم من الدور المهم الذي لعبته المرأة اليمنية في انتفاضة 2011 والالتزام بحصة التمثيل السياسي التي حققتها من خلال مؤتمر الحوار الوطني 2013-2014، فإن مكانة المرأة اليمنية آخذة في التدهور تدريجياً منذ بداية الحرب الأهلية. فاتفاقية تقاسم السلطة الجديدة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لا تلبي حصة النساء البالغة 30٪ المتفق عليها خلال مؤتمر الحوار الوطني. وعلى الرغم من وجود الكثير من المناقشات الدولية حول تحسين إشراك النساء في عمليات السلام المستقبلية في محاولة لخلق سلام مستدام، فإنّه لا يظهر إلا القليل من التحرك الملموس لتحقيق هذه الغاية. وقد دفعت المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية باتجاه إشراك النساء في عملية السلام بجهود مثل “قيادة المرأة اليمنية في عملية السلام، وفضاء العمل الإنساني وما بعده”، وهو حدث عُقد في جنيف في عام 2019 متيحاً الفرصة للقيادات النسائية اليمنية لمناقشة قضايا مثل دور المرأة القيادية في بناء السلام والاستجابة الإنسانية. لكن، لسوء الحظ، لم تتبلور -حتى الآن-هذه الدفعة نحو إشراك النساء في واقع عملي، فلم تُشرك أية امرأة في مفاوضات اتفاق الرياض، وتمثل مشاركتهن في اتفاق ستوكهولم 4 ٪ من الوفد فقط، مع عدم مشاركة أية امرأة من المناطق التي يسيطر عليها أنصار الله.

إن غياب مشاركة المرأة في السياسة هو نتيجة لتأثير الوضع الاجتماعي للمرأة في اليمن، لا سيما داخل المجتمعات القبلية. تعزز الأعراف الدينية والاجتماعية والثقافية والجندرية بعضها البعض وتؤثر سلبًا على إمكانية متابعة الإناث للدراسة في مساق التعليم العالي، مما يساهم بشكل مباشر في عدم مشاركة المرأة في أدوار خارج المنزل، بما في ذلك المشاركة السياسية. وهذه الأعراف الاجتماعية والثقافية المحافظة ترسخت في المجتمع طيلة عقود، غير أن التعليم الجامعي هو الكفيل بتفكيك هذه الأغلال التقليدية. فالنساء الحاصلات على التعليم الجامعي قادرات على المشاركة ضمن القوى العاملة والحياة السياسية، لكن بالنسبة لأولئك النساء المحرومات من الحق في التعليم، فإنهن محصورات في أدوار محددة مسبقًا داخل المجتمع.

أعراف النوع الاجتماعي في اليمن: معوِّقات أمام التعليم

كونك امرأة، في مجتمعات إنسانية مختلفة، هو تحدٍ في حد ذاته. غير أن اليمن تظهر بوصفها مثالا متطرفا على ذلك التحدي. وبما إن اليمن مجتمع يهيمن عليه الذكور، وللتقاليد القبلية والدينية فيه تأثير كبير على أفراده، فإن النساء يُنشّأن فيه على أن يؤدين أدوارًا محددة في الحياة: زوجات وأمهات. وتُعطى هذه الأدوار المحددة مسبقًا أولوية، بينما يظل التعليم والترقيّ الوظيفي غير ضروريين في نظر الأغلبية. يميل الأهل في الغالب إلى الاستثمار في تعليم الأبناء؛ لأنهم، وليس الإناث، هم من يُتوقع منهم أنْ يعيلوا أسرهم في مراحل لاحقة من الحياة. وفضلا عن ذلك، فالنساء لا يمكن أن يكنَ مستقلات في الحياة اليومية، لأن الذكور الأقارب هم من يشكلّون حيواتهن اجتماعياً ومالياً. فالعديد من النساء اليمنيات لا يستطعن الخروج من المنزل أو التقدم للحصول على وظيفة أو حتى زيارة أسرهن الممتدة دون إذن من الذكور في الأسرة.

وباعتباري امرأة يمنية فقد شاهدت آثار تلك الأعراف الاجتماعية والثقافية المقيدة عن كثب.  وعلى الرغم من دعم أسرتي المباشرة لرغبتي في مواصلة التعليم العالي من خلال التسجيل في دورة صيفية جامعية في الخارج، فإن أسرتي الممتدة لم توافق.  وحاول بعض أفرادها تثبيط قرار أبي في الموافقة، بحجة أن سفر المرأة بدون محرم يتعارض مع أعرافنا الثقافية والقبلية والدينية.  أما الأمر الذي كان مخيبًا للآمال أكثر، فهو أن من عارض منهم لم يكن من الرجال فحسب، بل إن نساء أيضا قد وقفن هذا الموقف المعارض. غير أن والدي، لحسن الحظ، قد أتاح لي المضي قدما على أية حال. كانت تلك تجربة ثرية ورافدة لشخصيتي؛ فقد فتحت عيني على كيفية قيام النساء في المجتمعات الأخرى بأدوار مختلفة عما كنت أعرفه، مما شجعني على متابعة دراستي العليا والعمل كباحثة.

المقولة السائرة إن الفتاة تُزوَّج عند بلوغها

إنَّ العائق الرئيسي أمام التعليم بالنسبة للمرأة اليمنية هو وصولها سن البلوغ.  تتمتع الفتيات الأصغر سنًا بمعدل تحصيل تعليمي مرتفع نسبيا، ولكن هذا المعدل ينخفض ​​بشكل كبير عند اقترابه من سن البلوغ. ففي هذه المرحلة من العمر يجبر معظم الآباء بناتهم على ارتداء الحجاب، ويشرعون في مراقبة تفاعل بناتهم مع الجنس الآخر كما تقل حرياتهن تدريجياً. ويرجع ذلك إلى أن أية احتمالية لنشاط جنسي خارج الزواج ستؤدي، ضمن هذه النظرة، إلى تدمير المكانة الاجتماعية للبنت. علاوة على ذلك، فإن حقيقة كون العديد من المدارس بيئات مختلطة بين الجنسين، تؤدي إلى أن يقرر الآباء أنه من الأكثر أمانًا لبناتهم أن يتركن المدرسة، لتجنب أي احتمال للتفاعل مع الجنس الآخر. وتشير بيانات من العام 2016 إلى هذا الواقع، فعدد الفتيات الملتحقات بالمدارس الابتدائية يقرب من 90 بالمائة، غير أن أعدادهن تنخفض في المدارس الثانوية إلى ما نسبته أكثر بقليل من 40 بالمائة. والقليلات اللواتي يواصلن الدراسة هن في الغالب ممن أتيح لهن الوصول إلى مدراس غير مختلطة خاصة بالبنات، وهي قليلة وقد تكون بعيدة من حيث المسافة، ويتضاءل عدد هؤلاء عند الوصول إلى مراحل التعليم العالي أو في المناطق الريفية.

يعتبر الزواج المبكر أحد العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى معدلات التسرب الكبيرة. ويرجع ذلك إلى أسباب اقتصادية، وقد زاد الصراع من مفاقمة ذلك مع تناقص دخل الأسر. وطبقا لليونيسيف، فإن نصف الفتيات يُزوجن قبل سن الثامنة عشرة في فترة ما قبل الأزمة الحالية، وزاد المعدل إلى الثلثين في الفترة الحالية. وبالنسبة لمن حالفهن الحظ من المتزوجات كي يواصلن الدراسة الثانوية، فإن أدوارهن كزوجات تظل تأخذ الأولوية على مشاغل التعليم. ومن جهة أخرى، فإن المسؤوليات المصاحبة للزواج-الحمل، ورعاية الأطفال، والطبخ، والتنظيف وغير ذلك-عادة ما تكون عبئا أكبر من أن تتحمله فوق أعباء التعلم، ولاسيما إذا كانت تعيش مع أسرة زوجها الممتدة. ونتيجة لذلك، فإنّ معظم النساء غير قادرات على المشاركة في الحياة العامة والسياسية خارج منازلهن، لأن حياتهن تدور الآن حول أزواجهن، وأطفالهن، والمناسبات الاجتماعية، والأعمال المنزلية.

أهمية التعليم العالي للمشاركة السياسية

على الرغم من أن عدد الجامعات في اليمن قد ازداد تدريجياً (حيث يوجد الآن حوالي تسع جامعات عامة وثمانية عشر جامعة خاصة، يقع معظمها في العاصمة صنعاء)، فإن التحاق النساء بالتعليم الجامعي لا يزال منخفضًا للغاية. وطبقا لآخر بيانات متوفرة من العام 2011، فقد كان معدل التحاق الإناث بالتعليم العالي 6٪ فقط من إجمالي الإناث الواصلات إلى سن التعليم الجامعي، وكان فقط ثلث من الملتحقين بالتعليم العالي من الإناث. ولا بد أن هذه المعدلات قد انخفضت خلال الأعوام الستة الماضية منذ بداية الحرب. وفضلا عن ذلك، فإن معظم الطالبات يدرسن ضمن تخصصات محدودة تحاشيا لبيئات تعليمية يكون فيها اختلاط بين الجنسين. وعلى سبيل المثال، فعندما يتعلق الأمر باختيار التخصص، تفضّل معظم العائلات أن تسجل بناتها في مجال التربية والتعليم؛ وذلك أن عملهن كمعلمات في المستقبل يرجح أن يكون بعيدا عن الاتصال بالرجال. وفي المقابل، فإن عددا قليلا جدًا من النساء يسجلن في تخصصات السياسة العامة على وجه التحديد. هذا مع أن إتاحة مثل هذه التخصصات للمرأة سيكون من شأنه رفع مستوى المشاركة السياسية للنساء.

قانونيا ليس من المتطلبات توفر شهادة جامعية عند الترشح لأي منصب حكومي. غير أن الأمر يختلف في الممارسة غير الرسمية؛ إذ إنّ متطلبات القبول بالنسبة للنساء تكون أعلى بكثير من المنصوص عليه، فهن يحتجن إلى التفوق من أجل أن يؤخذن على محمل الجد في مجتمع يهيمن عليه الذكور.

من المرجح أن تخسر النساء اليمنيات ما حققنه من تقدّم

لقد ظلت العوائق تقف أمام التعليم طيلة عقود في المجتمع اليمني. غير أنَّ حدوث التغيير لايزال ممكنا على المدى الطويل. ومن شأن زيادة معدلات النساء الحاصلات على الدرجات العلمية العالية أن يسهم في تقويض المعيقات الاجتماعية والثقافية داخل الأسر، وقد يشجع ذلك الجيل القادم من النساء على توسيع أدوارهن في المجتمع. وفي الوقت الراهن، فإنَّ من شأن تعيين النساء الحاصلات على تعليم عالٍ في مناصب تمكنهن من صنع وتشكيل السياسات أنْ يكنّ قادرات على إنفاذ حلول تتعلق بقضايا ذات صلة، من قبيل: المساواة بين الجنسين، والزواج المبكر؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن ينعكس بصورة إيجابية على تمكين المزيد من الإناث اليمنيات من الوصول إلى التعليم العالي. إنّ النساء القلائل اللائي ينجحن في تعليمهن ومساراتهن العملية سيشكلن مستقبل غيرهن؛ وذلك أنهن سيدعمن الإناث الأصغر منهن، فضلا عن أنهن سيكنّ نماذج يُحتذى بها.

للتعليم الجامعي أهمية محورية في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للنساء وفي تزويدهن بالأدوات الضروريّة للحصول على حقوقهن المنهوبة. وعلاوة على ذلك، فإنّ له آثارا مباشرة وغير مباشرة على تحديد أنواع الأدوار التي يمكن للمرأة أن تؤديها خارج المنزل. ومن هنا، فإذا لم يزدد وصول الإناث إلى التعليم العالي، فإنّ مِنْ غير المرجّح أن تزداد المشاركة السياسية للمرأة اليمنية.

نبذة عن الكاتبة: باحثة ومترجمة. نشرت تحليلات على مدونة “المجلس” التابعة للمركز اليمني للسياسات. تترجم آمال مقالات وتقارير تُنشر ضمن مشاريع المركز اليمني للسياسات، كما ترجمت لمنظمات مختلفة، منها مركز الأمم المتحدة للتدريب والتوثيق في مجال حقوق الإنسان لجنوب غرب آسيا والمنطقة العربية. وقد كتبتْ العديد من التقارير حول موضوعات تشمل تأثير تعليم النساء على معدّلات الإنجاب في اليمن. وفي فترة سابقة شغلت مواقع إدارية متعددة في مجالي الإعلام والتعليم. وآمال حاصلة على ماجستير في حقل اقتصاديات التنمية من معهد الدوحة للدراسات العليا.

تنويه  الآراء  ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب/ـة ووجهات نظره/ـا، ولا تعكس،  بالضرورة، آراء ووجهات نظر المركز اليمني للسياسات أو الجهات المانحة لمشاريعه.

المحرر: كيت نافنس

محرر النسخة: فينيتيا ريني

المترجم: فاطمة صالح

المصور: حياة الشريف

المانح: وزارة الخارجية ألمانيا الاتحادية

Share on facebook
Share on Facebook
Share on twitter
Share on Twitter
Share on linkedin
Share on LinkedIn

References :

[1]YPC nationwide representative survey, April–July 2019. Data cited in this paper is drawn from this survey unless otherwise indicated.

[2] UN News “Humanitarian crisis in Yemen remains the worst in the world, warns UN” Feb 2019. https://news.un.org/en/story/2019/02/1032811 (Accessed 3 March 2020).

[3] Wadhah Al-Awlaqi and Maged Al-Madhaji, Rethinking Yemen’s economy: Local governance in Yemen amid conflict and instability, July 2018. https://devchampions.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No2_En.pdf (Accessed 8 March 2020); Mansour Rageh, Amal Nasser, and Farea Al-Muslimi, “Yemen without a Functioning Central Bank: The Loss of Basic Economic Stabilization and Accelerating Famine,” Sana’a Center for Strategic Studies, November 2016. http://sanaacenter.org/publications/main-publications/55 (Accessed 23 May 2018).

[4]Data source: OCHA, “Humanitarian needs overview 2019: Yemen”, December 2018. https://yemen.un.org/sites/default/files/2019-08/2019_Yemen_HNO_FINAL.pdf (Accessed 11 March 2020).

[5] Final report of the Panel of Experts on Yemen, addressed to the President of the Security Council, January 2020. https://undocs.org/S/2020/70 (Accessed 11 March 2020).

[6] Mareike Transfeld, “Implementing Stockholm: The Status of Local Security Forces in al-Hodeidah,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, Policy Report, November 2019. http://www.yemenpolling.org/Projects-en/ICSP_EU_HodeidahReport2019November30.pdf (Accessed 16 February 2020).

[7] Mareike Transfeld and Shaima Bin Othman, “The State of the Police in Western Yemen”, YPC research debrief, Yemen Polling Center, Research Debrief, January 2020. https://www.yemenpolling.org/4325/ (Accessed 16 February 2020).

[8] Amnesty International, “Yemen: Fierce new offensive displaces tens of thousands of civilians from Hodeidah” May 2018. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2018/05/yemen-fierce-new-offensive-displaces-tens-of-thousands-of-civilians-from-hodeidah/ (Accessed 5 March 2020).

[9] Maged Sultan, Mareike Transfeld and Kamal Muqbil, “Formalizing the Informal State and Non-State Security Providers in Government-Controlled Taiz City,” YPC Policy Report, Yemen Polling Center, July 2019. https://yemenpolling.org/advocacy/upfiles/ICSP_EU_FinalTaizReport2019July19.pdf (Accessed 16 February 2020).

[10] Nadwa al-Dawsari , “Tribal Governance And Stability In Yemen “, The Carnegie papers, Carnegie endowment (April 2012). https://carnegieendowment.org/files/yemen_tribal_governance.pdf (Accessed 5 March 2020).

[11]CIVIC, “We Did Not Know If We Would Die From Bullets Or Hunger” Civilian Harm and Local Protection Measures in Yemen “, Jan 2019, https://civiliansinconflict.org/wp-content/uploads/2020/01/YEMEN_BulletsorHunger_FINAL_PROOF.pdf (Accessed 5 March 2020).

[12] Fatima Saleh and Ahmed al-Sharjabi “Institutional Prerequisites for the STC “Coup” in Aden and Perspectives on the Jeddah Deal” , research debrief, Yemen Polling Center, Oct 2019. https://www.yemenpolling.org/institutional-prerequisites-for-the-stc-coup-in-aden-and-perspectives-on-the-jeddah-deal/ (Accessed 16 February 2020).

[13] Human Rights Watch, “Yemen: Riyadh Agreement Ignores Rights Abuses”, December 2019, https://www.hrw.org/news/2019/12/12/yemen-riyadh-agreement-ignores-rights-abuses Accessed 5 Mar 2020; Human Rights Watch,  “Yemen: UAE Backs Abusive Local Forces” June 2017.